تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
كان الإقبال على شراء التذاكر بصورة فظيعة جدا ، وخصوصا من الإنكليز والأجانب واليهود في البلد ، وإني أذكر أنني أحييت ليلة مشهورة على مسرح سينما أديسون بالقدس ، وكانت من أروع تلك الحفلات ، وإني لم أزل أحتفظ بإعلانات تلك الحفلة وتذاكر الدخول للذكرى .

المرحوم متيا الحلاق

كان العم أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - دمث الخلق ، طيب القلب ، محبا لفعل الخير . وقد رأيت من المناسب إعطاء فكرة عن بعض الحلاقين في ذلك الزمن ، فكانوا أشبه بالطبيب نظرا لعدم وجود أطباء على نطاق واسع ، وجهل الأهلين عموما في أمور الصحة ، فكانوا يلجأون للعطار فيعطيهم ما هب ودب من العقاقير الطبية على أساس الوصفات العربية ليس إلا . وعند الحالات التي تتطلب نوعا من الجراحة ، فكانوا يلجأون إلى حلاق ماهر يجيد هذه الصناعة ، وعلى رأسهم المرحوم متيا العم أبو عبد اللّه . كان حلاقا ممتازا وسريع الحركة في نظافة الرأس في محله ، فيغسله بطريقة معقولة ومريحة كما يلي : يمسك الزبون وهو جالس على عرشه . . بعد الخلاص من قص شعره وحلاقة ذقنه بالموس كان يمسك لكنا كبيرا من النحاس المبيض ويدخل عنقه في نصف دائرة خاصة موجودة في طرف هذا اللكن ، خوفا من تسرب المياه إلى جسمه ، ومن الجهة الخلفية لعنقه يجيء أجير الحلاق ويمسكها بقبضة مضبوطة بين إصبعه الإبهام والأصابع الأخرى خوفا من تسرب الماء إلى ظهره أيضا . ويكون سطل نحاسي معلق بجنزير حديدي من وتد حديدي ثابت في الحائط فوق الزبون ، ولهذا السطل حنفية مياه ثابتة في قعره ، والماء فاتر فيجيء العم أبو عبد اللّه ويفتح الحنفية ويغسل بواسطة يديه رأس الزبون بالصابون مثنى وثلاثا ، وعندها يأمر الأجير فيأخذ اللكن ويكبه في البلاغة خارجا ، والمعلم ينشف الرأس بالبشكير الأول ثم الثاني وهكذا . في حالة طهور الأولاد ، يحمل العم أبو عبد اللّه الشنطة ويذهب إلى بيت الطفل ويطهره على أنغام الآلات والغناء ، ويذهب العم ويأخذ للمريض كاسات دم وهي كاسات الهوا وبعدها مباشرة يشطب محل الكاس بالموس . ويركب العلق ( الذي يكون دائما حيا عند الحلاق في مرطبان مليء علق يسبح في المياه ) يركبه محل الوجع وغالبا خلف الأذنين . كذلك يشطب المحلات من خلف الأذنين بالموس بطريقة محكمة ، وذلك في حالة ضرب الشمس للإنسان ، ومرارا يضطر لفصد المريض ، وهي طريقة ضرب إبرة سميكة في ذراع المريض بعدما يربط اليد ليحبس الدم مبدئيا وهناك ترى الدم وكأنه يندلع من نافورة . وأخيرا لا آخر يداوي أمراض الفم بالكبوس ( نباتات ناشفة ) ، ويداوي ألم الأضراس وعند اللزوم يخلع الضرس ومعه كماشة خاصة لهذا الداء ، ولكن على المريض أن يتحمل الأوجاع في حالة خلع الضرس نظرا لعدم وجود البنج . جميع هذه الكارات كانت تدار بواسطة العم أبو عبد اللّه ، وكذلك الحلاق الأسطة في حي باب العمود وغيرهم إبان الحكم العثماني في البلاد . وقد شاهدتها بأم عيني فكانت حياة طبيعية وفيها على الرغم من هذه الآلام لذة وسرور . . . فسقيا لتلك الأيام !
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 363 | واصف جوهرية