النقود ! أما أنا فلم أعد أنظر إلى خليل بنظري إلا خلسة . . . وأداعبه في سحب وتصفيط الليرات في المحفظة ليس إلا .
وقد أشار إلي بيده مستفسرا عندما تغيب صبحي عن طاولته فلم أجبه قطعيا . ودعنا صبحي درويش وشيعونا إلى مدخل الطابو ، وهناك ركبت السيارة بكل عظمه وبيدي العصا الفضية ورفعت رجلي عاليا وراء ظهر صديقنا السائق نخلة إلى أن وصلنا البلد ( حيفا ) إلى أين ؟ . . إلى المخزن العظيم الذي كنت تركت فيه الفازات .
دخلت المخزن ودفعت ثمن الفازات ووضعوا في السيارة ، وأخي خليل ينظر إلي بدهشة . . . اللّه اللّه إرجعنا على أكل الخرا . . . صحيح صدق من قال " وقوم من عبادي لا يليق بهم إلا الفقر ، فإن أغنيتهم لفسد حالهم " . . ولك يا واصف تنساش إحنا نمنا بدون عشاء . . يا كذا .
وكنت لا أجيبه ولا بكلمة إلى أن وصلنا الفندق ، وهناك دفعت ما يطلب مني إلى الفندق وجلسنا مع الصديق نخلة وتناولنا ما هب ودب من طعام الفطور وأخذنا العفش جميعه في السيارة وتركنا حيفا إلى القدس . . . وهناك في الطرق عرفت أخي خليل عن مسألة الثلاثين ليرة التي أخذتها على مرأى منه من صبحي بدون طلب ، بل بقيت رافع الرأس وكلي إيمان باللّه سبحانه وتعالى . ويا حبذا لو أمكنك الاستماع إلى هذا الحادث من فم أخي خليل الذي أدخل عليه الرتوش والزركشة الرائعة لما أصابه من هم وقلق وفرج بالنهاية .
الحفلات الليلية في قاعة جمعية الشبان المسيحية
لم أزل أذكر ليالي سمر أقيمت على مسرح عمارة جمعية الشبان المسيحية بالقدس عندما كانت خشبية مقامة على أرض دير الأرمن بالقدس شارع يافا ، وهناك قضينا أوقاتا جميلة جدا أثناء الحكم العسكري في البلاد ، وكانوا ، وخصوصا الإنكليز ، يحبون الاستماع إلى الموسيقى العربية الصرفة ، فكنت أنا وزميلي وصديقي أندريا إلياس القسيس نظهر على خشبة المسرح ونمثل الطريقة التي كانوا يعلمون فيها التلاميذ إبان الحكم العثماني ، وخصوصا في القرى ، فيبدأ المعلم بأعلى صوته يقول للتلاميذ أليف لاشن عليها أي الألف لا شيء عليها . . والباء نقطه من تحته . . والتاء نقطتين من فوقه وهم بدورهم يرددون ما قاله الأستاذ بأعلى أصواتهم . . . إلى ما هنا لك من تمثيليات فلاحية مضحكة عندما تقارن عصرنا هذا ، وخصوصا تمثيلية المضافة عندما يكون أندريا يرأس المجتمع في المضافة ، ويحسن التكلم في اللهجة الفلاحية بإتقان ، وكل أحاديثه مثيرة للضحك ، وهناك أدخل أنا بصفتي الشاعر إلياس ومصحوبا في آلة الربابة تحت العباءة ، وأدخل المسرح وأنا أعرج . . .
وذقني التقليدية كبيرة ومن فوق رأسي ما يسمونها بالطبزية ، وأغني وأعزف على الرباب .
وكان - آنذاك - يمثل معنا بعض الأدوار المستر ألمر هرس ، وكان مفتش التخمين في ضريبة الأملاك ، وزوجته ثم المستر بنتويتش وكان يعزف على الكمان وزوجته على آلة الباص . وقد ساعد في هذه التمثيليات المسخنة الأستاذ طلعت الشيعي ، أستاذ دائرة المعارف لما هو عليه من فن رائع في فن التمثيل الهزلي .
وهكذا كان الإنكليز عندما يعزمون على تنظيم حفلة ، وعلى الأخص خيرية للصليب الأحمر أو غيره ، يجيئوننا ، ويحصلون على إذن خاص من حاكم القدس يسمح لي فيه بالظهور على المسرح ، وعندما كان يكتب اسمي ( على تذاكر الحفلة . . )