كان دخول الشخص مقابل نصف قرش مصري بموجب القانون [ تعريفه . . . ] ، وهكذا سرت ووضعت يدي في جيبي ومسكت التعريفة ورفعتها بعدما ودعتها وداعا مرا . . كيف لا وهي الباقية معي من النعم ! ! . دخلت أتجول بين الناس وأدخل غرفة المحطة ثم أطلع من الباب الثاني وكأنني بس مصعور « 1 » أفتش عن صديقنا الحميم قسطندي فرح . . . فلم أجده مع كل أسف ، وبقيت على هذا الحال إلى أن سافر قطار الساعة الثامنة صباحا . . . وهناك خاب أملي ورجعت مكسوفا إلى كاراج القدس وجلست باب الكراج على كرسي قهوة بلدي وكنت غائبا عن الدنيا . مر عني القهوجي وبيده بكرج القهوة الساخن ذو الرائحة الطيبة ، فقلت في قرارة نفسي اللّه . . يا هالدنيا . . من أين لي أن أشرب فنجانا . . . وريقي ناشف من عرق الأمس . . ولو كان معي دراهم لدفعت ثمنه واللّه عشرة قروش ، وكانت عيوني لا تفارق منظر ذلك القهوجي وبكرجه وفناجينه العربية البدوية . . . كان يجلس أمامي رجل بحري بلباس السروال الأبيض وقد تناول فنجان قهوة وقبل ما يذوقه أمر القهوجي أن يقدم لي فنجانا فأقبل هذا وقدم لي فنجانا على حساب هذا البحري الفاضل . . . اللّه لم يعرفني ، ما هذا الكرم ! سبحانه وتعالى أخذت الفنجان وشكرت صديقنا الجديد البحري على كرمه بما تيسر من كلمات الشكر والامتنان .
سألني وتباحثنا الأحاديث وعرفته بأنني من بيت المقدس فقال لي اسم اللّه عليك . . . وإذ حضر الأخ خليل . . . فأعطيته الأخبار السارة داخل المحطة فقال لي " ولك شوف العالم . . افهم ، هندس ، هلل ، فيق ، . . ما قلت لك من الأول إنهم عكرتة ! " .
قلت له هذا اللي حصل وربك بيفرجها يا خليل . . . وأعطيته - على سبيل المثال - قصة فنجان القهوة . . . وحساب مقهى البنط بمساء أمس . . . ولكن بقي غضبان وجلس معي باب الكاراج . وإذ السائق الأخ الصديق نخله لورنس . . .
يقف أمامنا وقال شو طالعين ع القدس . . . قلنا بلى واللّه ، قال هات أربع ليرات مصري نشتري بنزين وهذه هي السيارة . .
يا اللّه !
سررت داخليا وقلت له طيب بس خذنا أولا في السيارة إلى دائرة الطابو ولو خمس دقائق لمواجهة صديقنا صبحي عويضة المدير ، قال اركب . ركبت وخليل في السيارة ودخلنا دائرة الطابو ولم نجد هناك بعد إلا الموظفين .
كانت هناك غرفتان ، غرفة المدير صبحي ، وغرفة بجانبها إلى الموظفين ، وفيها درويش عويضة ، سلمنا عليهم وبقيت أنا في غرفة صبحي وقد دخل خليل وجلس عند صديقه الأكثر درويش ، ولما كانت نافذة ما بين هاتين الغرفتين تستعمل لنقل دوسيات الطابو كنت أرى خليل وهو جالس ليشرب القهوة مع درويش ، وكان هو ودرويش ينظرون على طاولة صبحي بوضوح . تحدثنا وصبحي كثيرا ودردشنا الذكريات وعرفته بأننا كنا في لبنان وسوريا وقلت له أخيرا أنا الآن رايح إلى القدس ورغبت رؤيتك ربما يلزمك شيء هناك . قال باللّه عليك يا واصف دائرة الإجراء أهلكتني بالطلب فهل بإمكانك توصيل 30 ليرة دفعة عن أخي عادل إلى العم أبي داود النشاشيبي وتأخذ وصلا وترسله له ؟
" ولو نحن لبعض يا صبحي ! ! ما هو على عيني ! ! " ثم تركني وأنا أشرب القهوة ورجع وبيده النقود يعدهم عليّ الواحدة بعد الأخرى إلى الثلاثين . . . فوضعتهم بكل تأن في المحفظة وخليل يبحلق في نظره واستبشر ظانا بأنني طلبت منه هذه
هامش
( 1 ) بس مصعور : قط مجنون .