تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
زيارتي له وزيارته مع إخوانه جميعهم والمرحومة والدتهم إلى بيت والدي في حي السعدية ، وأخيرا عرفت الفاضلة زوجته أم عادل ، فزادت هذه الصداقة وسرت إلى ما بعد زواجي ، ولم تنقطع عراها والحمد للّه ليومنا هذا . والجدير بالذكر أنه بعد تلك الحفلة مباشرة أكملت السهرة على عودي في بيت المرحوم توفيق صافية ، وكان صديقا حميما لي وعائلته وبنات عمه كريمة ، ونظيرة مرقص ، وكانت سهرة عظيمة مع جميع ضيوفهم في تلك الليلة إلياس وقسطنطين ترزي ، وميشيل حنة ، وحنا تومايان ، وحنا الفران ، وغيرهم ، وكانوا جميعهم في بيت صافية يستمعون عن بعد إلى صوتي وعزفي في حفلة بشارات المقابلة لبيتهم هناك . اشتغل حنا بشارات متعهدا للجيش البريطاني بعد الاحتلال مباشرة ، ولكن قد أخذ قلوب أغلب رؤساء الجيش ، فكنت كثيرا أطلع على رسائله الخاصة مع هؤلاء القواد أمثال الجنرال اللنبي ، والجنرالات الذين بعده ، تلك الرسائل التي كانت تكتب له بدون كلفة ، وكان حنا أخا لهم . . . وكان قوي الحجة لبقا ، يتقن العربية ، والفرنسية ، والإنكليزية ، والألمانية ، والتركية قليلا ، وقد صعد اسمه إلى أسمى المراتب في الكرم والجود ، فأصبح حاتم طي عصرنا هذا ، وعند الحرب العالمية الثانية كان حنا وزوجته الفاضلة يشغلان جناحا خاصا في فندق الكونتيننتال في القاهرة ، وهناك تجلى جوده وكرمه بصورة أدخلت الدهشة على كل من عرفه ، فإنه كان يقدم مثلا لكل من حضر بار الفندق من المشروبات على حسابه . والآن ننتقل إلى عائلته الكريمة ، فقد كنت أترأس أكثر حفلات السمر التي كانت تقام في بيته ، تلك الحفلات العائلية ، فتجود الأخت أم عادل بإكرام الضيوف ، وإني لأذكر تلك الليالي ، فإذا ما عزفت على العود أو غنيت أغنية أو قصيدة أو حكيت نكتة . . . تجد الأخت أم عادل وشقيقاتها نجلا ، والأخرى والأخرى وعلى الأخص سيادة الوالدة ، يتفهمون كل كلمة تخرج من فمي ، ويصغين بتلهف زائد لكل حركة من الألحان ، ويعرفن المقام الملحن منه تلك الأغنية ، بل المؤلف لتلك الأبيات بصورة فظيعة جدا ، « 1 » ثم عند النكتة فقد تجاوبك إحداهن بنكتة من الموضوع ذاته ، فكانت جلسات في منتهى الرقة والأدب والطرب . . . كيف ولا وهم ورثة المرحوم حبيب فارس ، وعلى الأخص والدتهم من أقرباء إبراهيم الحوراني الأديب المعروف .

إسماعيل بك الحسيني وأخي فخري

مضت مدة طويلة ولم تسمح لي الظروف بالاجتماع بالعم إسماعيل بك الحسيني ، وقد أرسل خادمه فأعلمني أن البيك يرغب في زيارتي في بيت والدي الواقع في محلة السعدية ، فاستعددت في الحال لإكرامه وحضر ، وكانت المرحومة والدتي على قيد الحياة . عاتبني - رحمه اللّه - بسبب انقطاعي عنه ، وكان يجني محبة الأب لابنه ، واعتذرت آسفا ولبيت طلبه ، فعزفت وغنيت له ما تيسر من الأغاني المحببة له ، فطرب ورضي عني . . . وقد تبادلنا الحديث ، فسألنا عن حال كل واحد من إخواني وأشغالهم ، وعندما وصلنا إلى موضوع الأخ فخري ، قلت له إن حظه قصر يا بيك ، فإنه لم يزل يشتغل في محل صهرنا قسطندي عبد النور ، وذلك منذ الحرب العالمية الأولى ، ويا حبذا لو استطعنا مساعدته ليعود إلى المدرسة الآن . فأجاب : يا واصف إن فرصة سانحة الآن بين أيدينا ، أرسله لي غدا من كل وبد ، لأنني أنا في وظيفة مفتش المعارف ، حنا بشارات واقفا وزوجته وأبناؤه في استديو خليل رعد في القدس عام 1928 . من محفوظات المؤسسة العربية للتراث المعاصر في بيروت .
هامش
( 1 ) فظيعة بلغة أهل القدس تعني دقيقة .