ولا يهمك ، فشكرناه والوالدة عن اهتمامه . وبالفعل ، ذهب فخري وبواسطة العم أبو إبراهيم دخل المدرسة الرشيدية بالقدس ، وذلك سنة 1921 ، وقد تغيرت السياسة المتبعة - آنذاك - في البلاد ، وأصبحت الحكومة المنتدبة تعاكس مصالح الأسرة الحسينية ، وعينت الأديب الأستاذ إسعاف النشاشيبي مفتشا للمعارف ، ونظرا لصداقتي مع الأستاذ المومى إليه بل لصداقتنا مع عائلة النشاشيبي ، وبالنظر لطموح الأخ فخري وحبه المتفاني للعلم ، توفق - والحمد للّه - كل التوفيق ، وسار على بركة اللّه إلى أن دخل الكلية العربية زمن صديقنا وأخينا المربي الفاضل أحمد سامح الخالدي ، واتخذه كأخ بالزمالة ، فكان يثق به ثقة عمياء ، وأصبح فخري وكأنه من عائلة الخالدي في بيته الخاص ، وبهذا كتب إليه النجاح وحصل على شهادة معلم ، وعلى كلّ ، يرجع الفضل إلى زيارة العم إسماعيل بك رحمه اللّه .
والجدير بالذكر بعدما سهرنا وإسماعيل بك ، ودعنا وقد نزلت معه لأشيعه بالترحاب ، وعندما خرج من مدخل دار الجوهرية تذكر بأن له من أملاكه الكثيرة ، دار ملك في تلك المحلة ، وعلى ضوء الفانوس الغاز الذي كان بيدي دخلنا زقاقا وخرجنا منه ، ثم دارا وأخرى إلى أن اهتدينا فوجدنا هذه الدار ، وكانت مقابل دارنا تقريبا بجانب دار المرحوم مصطفى الصالحاني ، وكانت تسكن في الدار عائلة الصباغ . فسر العم أبو إبراهيم ، وقال : واللّه يا واصف لم أشاهدها منذ حداثتي .
أول ثورة عربية بالقدس في زمن الانتداب
كان يوم أحد الشعنينة لدى الطوائف المسيحية بالقدس من سنة 1920 ، وكان في هذا اليوم يتجمع المسلمون بالقدس لمرافقة حفل علم النبي موسى ، ذلك الاحتفال المهيب الذي كان يحدث في ذلك الزمن ، وهو عيد قومي لحفظ التوازن بين المسلمين والمسيحيين بالقدس ، ابتكره القائد صلاح الدين الأيوبي بعد هزمه الصليبيين .
كنت واقفا في صيدلية صديقي جورج مشحور خارج باب الخليل انتظر مع الشعب مرور موكب أهالي مدينة خليل الرحمن ، وقد تخوف الناس عندما لاحظوا أن موكب أهالي مدينة خليل الرحمن يسير ببطء متزايد ، وخصوصا عندما وصل إلى موقع بركة السلطان حتى وصل إلى مدخل المدينة عند باب الخليل ساعات طوال ، وكان الموكب بهياج شديد ينشد الأناشيد الوطنية الحماسية ضد الصهاينة واليهود والإنكليز ، إثر نشر وعد بلفور المشؤوم بالبلاد ، وعندما استتب موقفه في ساحة باب الخليل الخارجية ، أصبحت المدينة وكأنها ساحة حرب ، وزاد حماسا عندما رأى أن صورة فيصل الأول قد ارتفعت بيد أحد الأحرار من العرب من على شرفة النادي الأدبي ، وبعدما استمع إلى الخطابات الوطنية التي ألقاها كما أذكر - آنذاك - المرحوم محمود عزيز الخالدي ، وهكذا تحركت في دمائه حب الوطن ، فثار ثورة عظيمة ، وقد شفى غليله لأول مرة باليهود الوطنيين ، « 1 » الذين كانوا يسكنون داخل المدينة ، فقتل وجرح الكثيرون . وقد ساعد أشاوس مدينة خليل الرحمن وجود الحجارة التي كانت ملقاة على ضفتي شارع باب الخليل لرصف الشوارع صدفة ، فكانوا يستعملونها ويقذفون بها حوانيت اليهود بسهولة .
اغتاظت الحكومة من هذا العمل الجريء وفرضت بالحال منع التجول ، وبطشت بالأهلين العرب ، وأسندت الثورة إلى بعض رجالات القدس ، وعلى رأسهم أمين أفندي الحسيني - آنذاك - وهو شقيق الشيخ كامل أفندي الحسيني المفتي الأكبر لمدينة
هامش
( 1 ) المقصود من غير الوافدين الجدد بعد إعلان وعد بلفور .