يحمل نصائح الملك الأشرف هذه على الغرض والهوى . ظانا أن الملك الأشرف أصبح متذمرا من النفقات الباهظة التي يصرفها السلطان وحاشيته ، وأنه لذلك يريد إخراجه من الولاية الموروثة له . وبينما كان الحال يجري على هذا المنوال إذا بجيش من المغول بقيادة ( إيماس بهادر ) قد وصل في ليلة ليلاء إلى باب قلعة بدليس باحثين وسائلين عن السلطان الذي كان حينئذ غارقا في النوم من كثرة ما شرب من الخمور المعتقة فسكر حتى أغمي عليه ، فلم يصح من النوم والسكرة الجارفة إلا بعد أن صبوا على رأسه كوزا من الماء البارد .
ولما علم السلطان بمجيء المغول وأن أسباب الهرب قد أحضرت له ، وهي عدة جياد مسرجة له ولمن يرافقه توجه إلى زوجه كريمة الملك الأشرف ، فقال لها إن والدك قد أيقظنا مرارا من الغفلة التي كنا فيها فأسدى لنا نصائحه الخالصة . ولكنا لم نصغ إليه وحملنا كل ذلك على الغرض والهوى . والآن هل ترافقينا في الحط والترحال والسير معنا أم تختارين البقاء مع والدك ؟
فاختارت مرافقة السلطان عن طوع ورضى . فغادر الجميع القلعة في منتصف الليل . ومن ذلك الوقت لم يعرف مصير السلطان وما آل إليه أمره بالضبط لدى المؤرخين المحققين . غير أنه ورد في الرسالة الإقبالية لمؤلفها الشيخ ركن الدين علاء الدولة السمناني قدس سره العزيز نقلا عن شيخه ، الشيخ نور الدين عبد الرحمن كسرفي ، أن السلطان انخرط في سلك رجال اللّه واعتكف مدة في قرية من قرى بغداد يمتهن مهنة الترقيع والتخييط إلى أن توفى إلى رحمة اللّه .
وفي رواية صاحب تاريخ ( گزيدة ) أن كرديا كان أخوه قد قتل في حرب أخلاط ، عثر على السلطان في العراء فبادر إلى قتله قصاصا لأخيه المقتول . وفي رواية صاحب ( تذكرة دولتشاه ) أن الجبليين الأكراد طمعوا في جياده وثيابه فقضوا عليه . والعلم عند اللّه على كل حال .
وبعد هذه الحوادث أصبح الملك الأشرف يتصرف في شؤون ولايته وأمور حكومته من غير أن يضطر إلى الخضوع إلى أحد من السلاطين المعاصرين .
وبعد ما توفي إلى رحمة اللّه ، اعتلى عرش الإمارة أخوه الملك ( مجد الدين ) كما سبق ذكره . وقام أحفاد وأولاد هذين الأميرين بعد ذلك بالتعاقب بالحكم في هذه الولاية من غير أن يتعرض أحد من الملوك المجاورين لهم إلى عهد الفاتح الشهير الأمير تيمور كوركان عليه الرحمة والغفران .
شرفنامه — صفحة 352
مساهمون: يحيى الخشاب
ص٣٥٢