الوردية لطيفة ذات دلال ورقة . وأصوات بلابلها ذات مقام موسيقي يوحي بالعشق والهيام . كما أن أعشابها باسقات وصلت رؤوسها إلى الشامخ من القناطر والذرى وأشجارها كأنها ضاربة القباب والخركاه على وجه البسيطة الخضراء . وإذا حل طائر بأغصان تلك الأشجار ذاق حلاوة الراحة فطار فرحا باسطا جناحيه ومرفرفا ) .
وصفوة القول أن مناخ هذه الديار قد أثار إعجاب الإسكندر وراق في نظره فحط رحاله في تلك البقعة الفردوسية على النبع المذكور لتمضية بضعة أيام للترويح عن النفس والتمتع بهوائها البليل ونسيمها العليل ، وقد نصب مجلس الأنس والطرب ودارت فيه كؤوس الحميا على أيدي الحسان الفضية السيقان ذات الجباه المتلألئة الوضاحة ، فوصلت أصوات المغنين ومقامات الموسيقى الشجية إلى عنان السماء ، وقد عم السرور والبهجة الناس كلها ، وانتشر الفرح في الأطراف والجوانب فضلا عن الخاص والعام الموجودين بموكب الإسكندر العظيم حتى إن الظاهرة التي كانت قد بدت منذ مدة على الإسكندر - كما هو مشهور بين عوام الناس ومذكور في الألسنة والأفواه - أن عظمة على شكل قرن بقرة نبتت في رأسه ، وعجز نطس الأطباء عن معالجتها - قد أخذت تزول شيئا فشيئا ، فلم يبق لها بعد بضعة أيام أمضاها في هذا المكان الفريد اللطيف ولا يزال حتى الآن هنالك مكان فسيح مسطح يدعى بين الناس بعين الإسكندر وينبوعه تخليدا لذكرى هذا المكان الذي استطيبه الإسكندر واستشفاه ، فأمر غلامه المسمى ( بدليس ) ببناء مدينة وقلعة في غاية المناعة والحصانة ، وقال له حتى إذا رام ملك مثلي أن يستولي عليها لا يكون ذلك بل يعجز عنها كل العجز ، وبذلك تخلدون اسمها قرنا بعد قرن وبطنا بعد بطن فامتثل بدليس للأمر وأقدم على إنشاء القلعة والمدينة في بقعة بين نهري كسور ورباط على مسافة فرسخين من النبع . وهي المكان الذي تشغله الآن مدينة بدليس وقلعتها الحالية ، وقد أتم كل ذلك في مدة قصيرة . ولما عاد الإسكندر من فتح إيران ووصل إلى أرباض قلعة بدليس بادر الغلام إلى غلق أبواب القلعة مستعدا للحرب والقتال وامتنع عن التسليم ، وذهب سعي الإسكندر لديه لحمله على التسليم هدرا ، فقد رد جميع الرسل والوسائل التي لجأ إليها الإسكندر وأصر بدليس على المقاومة اعتمادا على حصانة القلعة . فما وسع الإسكندر إلا أن يترك القلعة ويرحل عنها وأن يعامل بدليس بالعفو والصفح . ولما انفصل الموكب الإسكندري ووصل إلى مسافة مرحلة عن البلدة بادرباني القلعة إلى الخروج ، وتقدم إلى سيده معلقا السيف والكفن على عنقه يحمل أقفال القلعة ومفاتيحها معه ، وقد أخذ يعتذر
شرفنامه — صفحة 323
مساهمون: يحيى الخشاب
ص٣٢٣