بذلك حيث وافاه الأجل المحتوم في بلدة العقرة من أعمال العمادية . فتوفي إلى رحمة اللّه .
سليمان بك بن قلي بك بن سليمان بك
كان هذا الأمير عادلا محبا للرعية ، ومهتما بشؤونها ، مشهورا بين حكام كردستان بحسن التدبير والتصرف ووفرة العقل والذكاء . ولقد صار حاكما مستقلا لإمارة ( سهران ) بعد وفاة والده وأخيه . ونظرا لما كان بينه وبين عشيرة ( زرزا ) من العداء والجفاء ، فقد حشر سليمان بك ، على حد مضمون الآية " وحشر لسليمان جنوده " نحو ثلاثة عشر ألفا من المشاة والخيالة من الأكراد العتاة ، فهجم بهم على ولاية زرزا فأطلق فيها يد النهب والسلب ، وقتل أمير لوائها مع ثلاثمائة وخمسين نفرا من الضباط والأعيان البارزين من عشيرة ( زرزا ) وأقوامها ، وقد أسر أهليهم وعيالهم وأتى بهم مقيدين إلى ولاية سهران ؛ الأمر الذي حمل بقية السيوف من ( زرزا ) إلى شد الرحال إلى استانبول متظلمين باكين وشاكين حالهم إلى السلطان مراد خان الذي همّ بادئ الأمر بعقاب سليمان بك معاقبة شديدة حتى يكون عبرة للغير . واتفق أن سليمان بك كان قد أغار حينئذ على بعض بلاد القزلباش ( العجم ) فأسر منهم خلقا كثيرا وغنم أموالا جمة ، وأرسل منهم جمعا كبيرا مع مبلغ عظيم من المال والتحف الثمينة إلى البلاط السلطاني . فنالت القبول والرضا لديه فغض السلطان النظر عن المخالفات التي كانت قد صدرت من سليمان بك وشمله بعفوه الشاهاني .
هذا وقد كان من يدعى ( قباد بك ) وهو متصرف سنجق ترك ومن أبناء عمومة سليمان بك ، يكن له العداء وينازعه في حكم ولاية سهران ، وقد استمر منه ذلك حينا حتى إذا ما حلت سنة ( 994 ه - 1585 - 1586 م ) بادر سليمان بك إلى الزحف والإغارة على خصمه هذا ، فبطش به وبأربعة عشر نفرا من أقربائه وأعوانه وقضى عليهم قضاء مبرما . فصار حاكما مستقلا يهابه الصغير والكبير ويخافه القريب والبعيد ، وخضع له الأمراء المجاورين ، ثم إن هذا الأمير القوي الحازم وإن كان أميا لا يقرأ ولا يكتب إلا أنه كان يعتقد في مشايخ الطرق المنبثين في تلك البلاد ، فيخلص لهم الطاعة ويمضي أوقاته معهم في الصلاة والصيام ، وسائر العبادات بعيدا عن الشهوات وسفاسف الأمور والترهات ؛ حتى حان أجله وأدركته الوفاة فطارت روحه الطاهرة من قفص البدن في أجنحة الجذبات الإلهية إلى فضاء الساحات اللاهوتية .