فالتف حوله جمع كثير من الأجلاف والأوباش والجهلاء ، فاستمال بذلك قلوبهم وجعلهم أسرى لطفه وكرمه ، فبذلوا له طاعتهم العمياء ، واتفق حينئذ أن حاكم تلك الديار قد ظهر له عدوا عظيم الخطر فتوجه بجميع قواه إلى قتاله ، فبادر عيسى أيضا معهم إلى محاربة ذلك العدو ومعه أنصاره وأتباعه من هؤلاء الأجلاف والأوباش متوجهين إلى ( بالكان ) « 1 » وقد أطلقوا عليه حينئذ ، من باب الاستهزاء والسخرية ، لقب الأمير . ولما رأى أهالي تلك الجهة ما عليه عيسى من الشهامة وحسن الاستعداد للقيام بأعمال هامة اتفقت كلمتهم على أن ينصبوه أميرا عليهم ، فاجتمع عليه خلق كثير في مدة وجيزة واعتزموا فتح قلعة أوان وتوجهوا إليها . ولما كانت أطراف تلك القلعة صخورا حمراء صلدة ، بادر عيسى ورفقاؤه قبل كل أحد إلى تسلق تلك الصخور ، وشرعوا في القتال والنضال حتى تملك الرعب والهلع قلوب حامية القلعة من جرأة هؤلاء ، فسمتهم بما معناه باللغة الكردية ( أصحاب الصخور الحمراء - سنك سرخي ) ، ثم حرف هذا اللفظ من كثرة الاستعمال لدى الأكراد الذين يقولون ( سهر - سور ) بدل ( سرخ ) الفارسي . وهكذا اشتهروا بلفظ الجمع ( سهران ) . وخلاصة القول إن القلعة فتحت بعد قتال شديد ونضال مرير ؛ فعلا نجم عيسى كنجم عيسى بن مريم ، وصار طالعه أعلى من طالع الزحل ، وازداد شأنه ، ونفوذه يوما بعد يوم ، حتى طلعت شمس دولته ساطعة في جميع أنحاء إقليم سهران الذي استولى عليه بأكمله . وبعد أن حكم هذه الديار بالسعادة والإقبال توفي إلى رحمة اللّه ، وولى بعده ابنه .
شاه علي بك
قام هذا الأمير مقام والده في منصب الحكم . وتوفي عن أربعة أولادهم :
عيسى ، وپير بوداق « 2 » ، ومير حسن ، ومير سيدي . وكان شاه علي بك قسم في حياته ولايته الموروثة بين أولاده المذكورين حتى لا يتنازعوا على الملك ، وأن يقنعوا بحصصهم . فمن ذلك إنه خص ابنه الكبير عيسى بناحية حرير التي كانت مقر دولته . فبعد أن أمضى عيسى ردحا من الزمن في الحكم والإدارة قتل في المعركة التي جرت بينه وبين پير بوداق حاكم البابان .
هامش
( 1 ) - اسم عشيرة ومنطقة بجهة ( رواندز ) الآن . ( المترجم )
( 2 ) - في نسختين خطيتين ( مير ) بدل ( بير ) . ( المترجم )