الفصل الخامس في ذكر حكام ( كليس )
لا يخفى على المطلعين نسب الأسرة الهاشمية ، وعلى المتخصصين في أحوال البيوتات القرشية ؛ أن نسب حكام ( كليس ) على زعمهم يرجع إلى أحد أولاد سيدنا عباس رضي اللّه تعالى عنه . ويقولون إنهم بحسب الرواية الصحيحة أبناء عم حكام ( حكاري ) و ( العمادية ) ، إذ كان هناك ثلاثة أخوة يدعون ( شمس الدين ، وبهاء الدين ، ومنتشا ) . فحكام حكاري من نسل شمس الدين الذين يقال لهم ( شمو ) في الاصطلاح الكردي ، وحكام العمادية الذين هم من نسل بهاء الدين ويطلق عليهم ( بهدين ) . وأما حكام كليس الذين هم من نسل منتشا فيطلق عليهم ( مند ) .
ومهما يكن ( من اختلاف الروايات ) فأن ( مند ) قد تمكن في بادئ الأمر من جمع طائفة من الأكراد حوله ، ورحل بهم إلى الشام ومصر ، والتحق هنالك بخدمة ملوك بني أيوب الذين أقطعوه ناحية ( قصير ) على مقربة من ولاية أنطاكية ، حيث توطن بها مند وأتباعه في الشتاء . ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل أن جمعا من الأكراد اليزيدية ، الذين كانوا قاطنين في تلك الديار ، من قبل ، قد التفوا حول ( مند ) أيضا ؛ مما أفضى إلى علو شأنه وازدياد نفوذه يوما فيوما ، وهرع إليه الأكراد من كل الجهات ، وانضم إليه كذلك الأكراد القاطنون في جهتي ( جوم ) ، و ( كليس ) . وقد عطف ملوك آل أيوب العظام على ( مند ) هذا ، فعينوه في منصب أمير الأمراء على جميع أكراد محروستي الشام ، وحلب ، وأطلقوا يده في حكم هؤلاء الجماعة رتقا وفتقا ، وقبضا وبسطا . وهكذا رفعوا مرتبته إلى أعلى المراتب الإدارية والعسكرية ، وحدث في بادئ الأمر أن نازعه في هذا المقام السامي شيوخ ( الأكراد ) من اليزيدية المنتشرين بين حماة ، ومرعش فأفضى ذلك إلى امتشاق الحسام والمقاتلة أحيانا ، بيد أن مند تغلب عليهم إذ جعلهم ينقادون له بالعنف واللطف ، والقهر والإحسان حتى تم له ما أراد من خضوع عموم أكراد تلك الديار لحكومته المطلقة . ولما مات مند قام مقامه ابنه عرب بك ، وبعده تولى ابنه الأمير جمال ، ثم خلّف هذا بعد وفاته ابنه أحمد بك . وفي عهد هذا الأمير انقضت أيام دولة بني أيوب ، وانتقلت دولتهم العظيمة الشأن إلى المماليك الجراكسة . ولم يخضع أحمد بك لدولة الجراكسة ، وقضى أيامه حاكما مستقلا إلى أن توفي عن ولدين هما : حبيب بك ؛ وقاسم بك .