المعسكر . وفي الواقع كان هذا الأمير الشاب حميد الخصال بهي الطلعة ذا أعمال مشكورة وفعال مجيدة . اتبع على خلاف عادات جدوده طريقة رجال الروم « 1 » في المأكل والملبس والمشرب ، ومال إلى القراءة والكتابة في كبره ، فتعلم الفارسية وأتقن خط شكسته حتى اشتهر به ، وكان يقلد خطوط مشاهير الخطاطين ، ومقطعاتهم بقصّ الأوراق على شاكلتها في غاية من الحسن والصنعة البديعة .
وهكذا تفنّن في نواح كثيرة من الفنون والعلوم ، وقد بز الروم في التفنن في اللبس والمأكل والمشرب . ولقد اعتزم الحج إلى بيت اللّه الحرام ، وزيارة مرقد النبي عليه السلام ، فتوجه إلى الحجاز ( سنة 1001 ه - 1593 م ) قاطعا الجبال والوهاد ، ومارا بالقرى والدساكر وسائر البلاد ، حتى وصل مكة المكرمة وطاف بالكعبة المعظمة ، وهي محط رحال " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه " ، ولبس إحرام " فولّ وجهك شطر المسجد الحرام " وانخرط في سلك " ومن دخله كان آمنا " ، وربط فاتحة " وللّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا " بخاتمة " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه " مستغرقا في بحر " كلّ إلينا راجعون " الجامع للكل من الكبير والصغير . وذلك هو الفضل الكبير .
بيد أنه كان متراخيا في تنفيذ أوامر الحكومة وشؤونها ، ومتساهلا في تطبيق قوانين السلطنة والرئاسة تاركا زمام الأمور ، وأمر الحلّ والعقد في ولاية حزو ، في يد ( شمس الدين بن فريدون آغا ) الذي استبدّ بالأمر وانفرد بالحكم حتى إن الأمير لم يكن يتصرف في دينار واحد إلّا بإذنه ، ولا يخالط أحدا إلّا بموافقته ، وقد بادر إلى إخراج جميع الذين حدثتهم أنفسهم من بني عمومته ورجال عشيرته ، وقومه أن ينازعوا شمس الدين ، فطردهم من ولايته بل وحاول قتلهم . وعندما قتل من بني أعمامه حسن خان وابنه خان غازان ، بادر إلى تزويج كل من بنت حسن خان ومن أخته التي كانت زوجة خان غازان ، لشمس الدين .
وقد وصل به الغرور والجنون إلى حدّ أن أخذ يتحدى الحكام العظام ، فساق حملة عسكرية على الجزيرة ؛ ليعزل حاكمها الأمير شرف ، ويولي بدله أخاه مير محمد بك ، وهكذا كان دائما في خصام ونضال مع مجاوريه من عشائر الروژكي ، والزرقي ، والسليماني ، حتى توفي سنة ( 1004 ه - 1595 - 1596 م ) ، ولم يعقب ولدا . وبلغت أيامه ثمان عشرة سنة .
هامش
( 1 ) - أتراك الأناضول . ( المترجم )