الفصل الخامس في ذكر حكام حصنكيف الذين اشتهروا بملكان « 1 »
قال الشاعر « 2 » :
معناه : " جعل المعلم ( اللّه ) لدوران الدهر مددا مختلفة سمى كل واحدة منها باسم ؛ بحيث يجعل صوت الأولين خافتا حتى يعلى شأن الآخرين " .
يؤثر عن نقلة الأخبار ويروى عن حملة الآثار أنه حينما زال حكم آل أيوب ( سنة 662 ه - 1263 و 1264 م ) عن مصر والشام ، ولم يبق لهم في تلك الجهات شأن ، وكان أحد أولاد هذه الطبقة العالية قد اختفى فترة من الزمن في بلدة حماه ، ثم توجه إلى جهة ماردين فأدخله حاكمها في عداد أمرائه وأعيان رجاله الأخصاء . ولم يكتف هذا الحاكم الكريم الشهم بذلك فحسب ، بل عينه أيضا في منصب حكومة صاور - قلعة الصور . ولكن هذا الشاب الأيوبي لم يطل الإقامة بتلك القلعة ؛ إذ ضاقت نفسه بها ذرعا ، فرحل إلى جهة رأس القول « 3 » التي هي مشهورة للآن بحصنكيف ، واختار الإقامة بها حتى تزوج واستأنس بأهليها واستأنسوا به ، والتف حوله جم غفير من سكان تلك الجهات ، فرضخوا لأمره وأطاعوه في كل صغيرة وكبيرة ، لا فرق بين الغني منهم والفقير ، فنصبوه حاكما لهم بالرضاء والطواعية . ثم أخذوا في تعمير وتجديد القلعة التي بتلك الجهة ، وصادف أن كان ذلك في أيام تسرب الوهن والضعف فيها إلى بنيان حكومة سلطان ماردين ، فتوجس خيفة من تجديد القلعة وتعميرها ، وأرسل إلى باني القلعة يطلب إليه الحضور أمامه ، ولكن هذا رفض الحضور وأصر على موقفه ، الأمر الذي حمل سلطان ماردين على حشد جيشه ، والزحف به على رأس القول بقصد الاستيلاء على قلعة حصنكيف ، فقاومه باني القلعة أشد المقاومة ، وأبدى خلالها ضروبا من الشجاعة والإقدام ، حتى اضطر حاكم ماردين إلى العودة من حيث أتى من غير أن ينال منه شيئا . فمن ذلك اليوم عادت أيام آل أيوب إلى الظهور ، وأصبحت راياتهم خافقة على أطراف حصنكيف وأنحائها من جديد ، ولم يمض على ذلك كبير وقت حتى عم نفوذهم البلاد وسادها سلطانهم .
هامش
( 1 ) - الملوك ( المترجم )
( 2 ) - الأبيات الفارسية :بهر مدتي گردش روزگار * بطرز ديگر خواند آموزگار
سرهنگ بيشينه گر روكند * نواى ديگر در جهان نو كند( 3 ) - الظاهر أنه محرف من لفظة رأس الغول بالغين المعجمة ، سميت به قلعة حصن كيفا لحصانتها الفائقة ومناعتها البالغة . ( المترجم )