تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرفنامه — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
لنفسه ، وأن يحضر إلى عتبات السلطان ويعرض التماسه . فلبى ناصر بك الإشارة السامية ، وتوجه إلى عتبات السلطان سليمان ، ونال من لدنه العطف بفضل تعضيد الوزير له ، فصدر المرسوم السلطاني بإسناد حكومة الجزيرة إليه . وما كاد ناصر بك يصل الجزيرة مقر الحكومة حتى غادرها بدر بك إلى طرف سنجار متخليا عن الحكم لأخيه . وبعد سنتين قد مضتا على هذا شد بدر بك الرحال إلى العتبات السلطانية ، وتمكن من استصدار مرسوم سلطاني بإعادة حكومة الجزيرة إليه ، وتفريق ناحيتي : طور ، وهيثم من الإيالة الجزيرية ، وهكذا قضى عمره الطويل في حكم الولاية بموجب المرسوم العالي المذكور بكل حزم وعزم . بيد أنه كان يتعاطى المخدرات جهارا في المجالس والمحافل ، حيث كان يصرف في مجلسه خمسمائة درهم من الحشيش كل يوم ، وكان مقرره هو من هذه المادة كل يوم صباحا ومساء نحو مائة درهم . وأغرب من هذا انه كان ينبه وكيله الخاص إلى وجوب شراء هذا المقدار من ماله الخاص من وجهه الحلال أعني من الذهب غير المغشوش . وعلاوة على هذه الحالة فإنه كان في غاية التقى والتمسك بأهداب الشريعة ، وتنفيذ الأحكام الدينية بكل دقة وإخلاص ، فكان يقرب إليه العلماء والفضلاء ويعطف عليهم عطفا شاملا ، فالعلماء والفضلاء الذين اجتمعوا في عهده بالجزيرة لم يسبق لهم مثيل في كثرة العدد وسموّ المكانة في مختلف العصور ، وذلكم : كمولانا محمد البرقلعي ، ومولانا أبي بكر ، ومولانا حسن السورچي ، ومولانا زين الدين يبى الذي كان من عمداء العلماء في العلوم الظاهرة والباطنة ، ومن زبدة مشايخ العصر . وكمولانا سيد علي وغيرهم الذين تتداول العلماء وطلاب العلوم مؤلفاتهم ومصنفاتهم العلمية . ويروى أن مولانا أبا بكر استاء ذات يوم وتأثر خاطره من بدر بك ، وهم بالرحيل عن الجزيرة ، فما كان من بدر بك إلا أن خف مع الأشراف والأعيان إلى زيارة مولانا الشيخ ، فطيب خاطره وأنعم عليه خلعا وألبسه تشريفية ، حتى أرضاه وأرجعه إلى مكانه . ولما توفي أخوه ناصر بك أعاد ناحية طور وهيثم إلى حكمه كالسابق ، فضمها إلى الإيالة الموروثة . وعمر طويلا حتى بلغ عمره التسعين وتجاوزه إلى المائة ، وعندئذ ظهرت عليه بوادر الضعف والخور في قواه العقلية ، فكانت تصدر منه أفعال بعيدة عن العقل والصواب . ولقد سمعت مرارا عن الثقات أنه في ذات يوم جاء رجل إلى بدر بك يشكو قصاب المدينة عما ألحقه من الإهانة والتحقير فخيل إلى بدر بك أن المشكو عنه