ينزل عليه كالصاعقة يقول : إن رستم باشا الوزير الأعظم ، قد عزل من منصبه الكريم ، فساوره القلق وتملكه اليأس ، وعدل عن السفر إلى استنابول بيد أنه صار متحيرا بين العودة إلى حكاري ، وبين مواصلة السفر إلى أية جهة أخرى ، وأخيرا استقر رأيه على الفرار إلى إيران لاجئا إلى بلاط الشاه طهماسب الذي لم يلتفت إليه كثيرا رعاية ؛ لخاطر سيد محمد ، وهكذا هام على وجهه مدة من الزمن ، حتى إذا ما جاء خبر إسناد منصب الوزارة العظمى مرة أخرى من قبل السلطان سليمان إلى رستم باشا ، وشاع ذلك في ديار القزلباش ، عمد زينل بك إلى العودة من تلك الديار قاصدا الآستانة ؛ للتشرف بأعتاب السلطان سليمان ، ولكن الوزير رستم باشا لم يلتفت إليه هذه المرة كما ينبغي ، فاكتفى بتخصيص زعامة له في ولاية البوسنة من أعمال روم إيلي ؛ ليكون ريعها مددا له في المعاش ، وأرسله فعلا إلى تلك الجهة . ودام الحال على هذا المنوال حتى حدثت وقائع وقضايا في هذه الأثناء ، وذلك كقتل إسكندر باشا ، بعد فتح وان ، لسيد محمد حاكم حكاري بتهمة أنه كان وسيطا بين الأمير السلطاني مصطفى ، وبين الشاه طهماسب ومتحدا معه فيما قام به من اللجوء إلى الإيرانيين ، وغير ذلك من المقدمات الأخرى . كعزل رستم باشا من منصب الوزارة . فانتهز إسكندر باشا هذه الحوادث فرصة ؛ لعرض أمر زينل بك على العتبات السلطانية السليمانية ؛ بقصد إسناد حكومة حكاري إليه ، فتمكن في بادئ الأمر من إتيانه من ولاية الروملي إلى ( وان ) حيث أرسله من هنالك إلى الحدود الإيرانية على رأس قوة ؛ للإغارة والغزو وجس النبض ، فلما وصل زينل بك إلى نواحي سلماس ، وجد أن أخاه بايندور بك أيضا قادم من قبل القزلباش ؛ لنفس الغرض فاقتتلا قتالا شديدا ، حتى غلب بايندور بك على أمره ، وعاد زينل بك بعدد من الأسرى من رفقاء أخيه المغلوب إلى إسكندر باشا بوان ، وأفضى هذا الانتصار إلى علو شأن زينل بك ، فرفع إسكندر باشا تقريرا عن صداقة زينل بك وإخلاصه للدولة العثمانية ، والتماس إسناد حكومة حكاري إليه ، ووجوب قتل سيد محمد بك حاكمها الحالي ، فصدر المرسوم السلطاني بإجابة ذلك كله ، وصار زينل بك حاكما مستقلا لحكومة حكاري ، ودامت أيام حكمه زهاء أربعين سنة ، وإن كان أحيانا قد أسندت هذه الحكومة خلال المدة المذكورة إلى أخيه بهاء الدين بك الذي قتل أخيرا بيد زينل بك وابنه سيدي خان ، وهكذا انفرد زينل بك بالحكم بلا منازع ولا ممانع ، وكان له أربعة أولاد ذكرهم : زاهد بك ، وسيدي خان ، وزكريا بك ، وإبراهيم بك .
شرفنامه — صفحة 131
مساهمون: يحيى الخشاب
ص١٣١