تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة المكناسي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ومعبرا لطيفا للمسلمين « 88 » . وكان أهل البلد آمنين من هذه الجهة ولم يحصنوها ، وإنما كان خوفهم من جهة البر والبحر غير هذا الموضع ، فكانوا حصنوها وغفلوا عن هذه الجهة لأمر أراده الله تعالى . والسبب في حمل هذه الأغربة في البر على هذه الكيفية ، مع أن المعتاد في سير الأغربة هو البحر على ما حكى لنا بعض أحبار الروم ، أن بلاد القسطنطينة كانت بيد الروم المعروفين الآن بالكريك ، وبلاد غلاطة التي أمامها كانت بيد زنويج « 89 » ، ولما نزل السلطان محمد رحمة الله تعالى عليه على القسطنطينة من جهة البر ، عمد النصارى إلى مجاز البحر الأسود وهو المسمى قاردنز ، وهو أي المجاز ضيق ، فجعلوا فيه سلاسل وربطوها في عدوتيه تمنع كل ما يأتي من المراكب [ منه ، وجعلوا سلاسل أخرى على بغاز حصار يعني المجاز الذي يدخل منه إلى القسطنطينة تمنع أيضا كل ما يأتي من المراكب ] « 90 » من البحر الشامي . ولما تعذر سفر الأغربة في البحر وتوجهها إلى القسطنطينة بسبب السلاسل المذكورة ، حملها السلطان في البر حتى أنزلها في الموضع الذكور الذي وقع منه الفتح ، فشرع المسلمون حينئذ في القتال والحصار من جهة البر والبحر مدة أحد وخمسين يوما ، حتى - 33 - أعيا ( كذا ) المسلمين أمرها . وكان أهل البلد لما سمعوا بقصد المسلمين إليهم استمدوا من الفرنج « 91 » ، فأمدوهم بجيش عظيم وعدد كثير ليتقووا به ، وكان السلطان محمد خان أرسل وزيره أحمد باشا بن ولي الدين إلى خدمة الشيخ أوسق « 92 »
هامش
( 88 ) يورد هنا بعض تفاصيل مناورة عسكرية مذهلة قام بها الأتراك ، إذ في ليلة 23 أبريل 1453 تم تسيير 67 قطعة صغيرة من الأسطول العثماني على البر لتفادي السلسلة الغليظة التي أغلق بها البسفور ، وتمكنوا من مباغتة البيزنطيين الذين لم يصدقوا وهم يرون الخليج يموج بقطع الأسطول التركي ، وقد كتب المؤرخ البيزنطي والدبلوماسي الأمير دوكاس الذي التقى السلطان محمد الفاتح عن ذلك : " ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق ، محمد الثاني يحول الأرض إلى بحار وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلا من الأمواج " ( أوزتونا 135 ) ( 89 ) يقصد الجنويين الإيطاليين . ( 90 ) وقع استدراك هذه الجملة في الطرة في ( أ ) . ( 91 ) ورد في طرة ( أ ) : " المراد به جنس الفرنصيص خذله الله آمين " . ( 92 ) يقصد بهذه الكلمة لقب الشيخ شمس الدين ، ويسميه أوزتونا " آق شمس الدين " ويلقبه " مرشد الخاقان " أي السلطان محمد الفاتح ، والذي شارك أتباعه الدراويش بفعالية في فتح القسطنطينية ، إذ أورد هذا المؤرخ التركي أنه خلال العمليات العسكرية " كان رجال الدين والطرق يتجولون بين الصفوف يشجعون المقاتلين ويتلون الأدعية وينشدون الأشعار والمنظومات الدينية ويرددون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على الجهاد والقتال في سبيل الله " ، مضيقا و " كانت أصداء تكبيرات الغزاة الدراويش في صفوف الجيش التركي التي يتجول بينها أستاذا الخاقان آق شمس الدين وملا كوراني ، والدعاء الذي رددوه عقب صلاة الصبح والخطاب القصير المؤثر الذي ألقاه البادشاه . . . كان ذلك كله يؤتي ثمرته فيتجسد أمواجا متعاقبة على الأسوار البيزنطية . . . " . ( أوزتونا 138 ) .
رحلة المكناسي — صفحة 79 | محمد بن عبد الوهاب المكناسي / محمد بوكبوط