الغد إلى الظهر ، ونزلنا على قلعة وبها ماء يقال له البير الجديد ، وصلناها على سير إحدى وعشرين ساعة ، وقد وصلنا عند طلوع الشمس من ذلك اليوم قلعة أخرى يقال لمائها الزمرد ، فأبى الوزير أن ينزل بها وترك ماءها إلى الرجوع ، فأقمنا عند البير الجديد بقية النهار فشرب الناس والإبل وطبخوا ما أكلوا ، وبعد العشاء سافرنا الليل كله ومن الغد النهار كله إليا لإصفرار ، ونزلنا على قلعة يقال لها هدية « 391 » ، لكن ما رأينا فيما تقدم أشد حرا من هذا اليوم مع عدم الماء وشدة اللهيب والحر ، فقد مات من الآدميين في هذا اليوم من العطش مائة وخمسة وسبعون ، منهم من رأيناه على قارعة الطريق ومنهم من أخبرنا به ، أما الإبل فشئ كثير .
وهذه القلعة ، أي قلعة هدية ، مؤسسة بين جبال في أرض ماؤها قريب يحفر عليه مقدار ذراع أو أقل وينبع ماؤها ، إلا أنه ليس بعذب ففيه مساسة وقد أسهل بطون الناس ، وقد نزلناها على مسير عشرين ساعة فبتنا بها واستقى الناس لأنفسهم والإبل ، وحملنا معنا الماء منها للدار التي - 225 - بعدها لكونها لا ماء فيها ، وعند الإصفرار سافرنا منها فسرنا الليل كله وبعد طلوع الشمس بساعة نزلنا بأرض يقال لها الفحلتين « 392 » على سير اثنتي عشرة ساعة ، وهذه البلاد كثيرة الحجارة والطريق فيها مارة بين جبال ، فقلنا بهذه المنزلة إلى أن صلينا العصر وسافرنا إلى ضحوة الغد ، ونزلنا بأرض منفسحة بين جبال يقال لها آبار ناصف ، يحفر الناس الآبار في الرمل ويستخرجون الماء وهو أحسن من ماء هدية ، وقد وصلناه على خمس عشرة ساعة ، وبعد صلاة الظهر سافرنا بقية النهار والليل كله ومن الغد إلى الزوال ، ونزلنا بظاهر المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وبنينا الخيام بسفح جبل سلع ،
هامش
( 391 ) منزلة على طريق الشام من المدينة ، " وهي أرض واسعة ذات رمال ووعر وأحجار وجبال ، وفيها حفر كثيرة من الماء لكنه يوجب إسهال البطن بسبب ما ينبت هناك من السنا " . ( الحقيقة والمجاز 481 )
( 392 ) منزلة على الطريق بين الشام والمدينة المنورة ، كانت تسمى كذلك حصن عنتر ، اشتهرت عند الحجاج بقلة الماء وشدة الحر وكثرة الغبار . ( الحقيقة والمجاز 481 ) .