فقلنا في ظهر مغر إلى قرب العصر ثم سافرنا ، - 222 - ونزلنا عشية فصلينا العصر لآخر وقتها وبقينا إلى أن صلينا المغرب ، وسرنا في بلاد كثيرة الحجارة وقد تقدم أمامنا العسكر بالنهار إلى موضع ضيق بين جبال ، يخشى من العرب أن يتمسكوا به ويمنعوا الركب من المسير ، فمررنا بهذا المضيق ووجدنا العسكر نازلا به على قنن الجبال يمينا وشمالا بعلاماتهم ، والوزير نازلا أسفله على فم المضيق بخيله ، وبقوا هنالك إلى أن خرج الركب كله ؛ وقد كان هذا المضيق في غاية الصعوبة والضيق قبل اليوم يمر الركب كله جمل في أثر جمل ، إلى زمن عثمان باشا رحمة الله عليه وذلك قبل تاريخه بنحو ست عشرة سنة ، فوسعه وقلع الصخور العظيمة والحجارة الكثيرة ونحت الجبال يمينا وشمالا ، فصار الناس يمرون به اليوم بأربعة وخمسة من الإبل متساويات تقبل الله منه ، وهذا الوزير هو صاحب العقبة الأولى وله آثار كثيرة في هذه الطريق ، فقد ابتنى قلعا متعددات وبركا للماء كثيرات ، كثر الله في المسلمين مثله ، يبقى الثناء وتذهب الأموال .
وفي آخر الليل وصلنا الأخضر بعد مسير نحو عشر ساعات ، وبه قلعة حواليها خمس برك يخرج إليها الماء من القلعة فتمتلأ ( كذا ) ، فاستقى الناس بالليل وفي أول النهار ما يكفيهم ثلاثة أيام لا ماء فيها ، وعند العصر اعتمدنا على رحمة الله تعالى وسرنا فقطعنا ذلك البغاز أي المضيق المذكور قريبا ، وفيه من أوله إلى آخره نحو خمس ساعات ، وتمادينا على المسير الليل كله ، وبعد طلوع الشمس بساعة نزلنا في موضع بين جبال بعد سير خمس عشرة ساعة ، - 223 - وليس هذا الموضع معروفا لنزول الركب بل الموضع المعروف للنزول قلعة يقال لها المعظم « 389 » ، بقي بين هذا الموضع وبينها أربع
هامش
( 389 ) المعظم ، وادي عذب الهواء وحلو الماء ومتسع الأرجاء ، يورد الشيخ إبراهيم الخياري في رحلته حسب ما نقله النابلسي أنه " قد اشتمل على قلعة عظيمة محكمة البناء . . . وبجانب القلعة . . . بركة ماء مربعة متسعة . . . مبنية بالحجر " ، ويرجح النابلسي أنها سميت بالمعظم لكون الملك المعظم هو بانيها وجعلها معسكرا لجنوده قبل أن ينقض عليهم الأعراب ويخربوا القلعة .
( الحقيقة والمجاز 483 ) .