شق الطرق في الجبال وإعجاب السفير بذلك
وهذه المنزلة هي المنزلة الثانية التي يقيم بها الركب بين الشام ومكة ، لإراحة الأنفس والإبل يوم الوصول وليلة غده وبعده إلى عشية النهار ، فرحلنا منه بعد المقام المذكور عند الزوال وسرنا بقية النهار والليلة بعده ، وبعد طلوع الشمس بساعة ، نزلنا بموضع يقال له العقبة « 381 » على مسيرة ثمان عشرة ساعة على غير ماء ، وقد كنا حملناه معنا من معان ، وقد كان في هذا الموضع قلعة وبركة ماء فخربت وبقيت هذه المرحلة من غير ماء ، فنزلنا بها إلى نصف النهار وطبخ الناس ما أكلوا وصلينا الظهر وسرنا فانحدرنا مع هذه العقبة ، وقد كانت من قبل صعبة يمر بها جمل في إثر جمل إلى زمن عثمان باشا رحمه الله لما كان أميرا على الشام ، ففتحها بالمعاويل ووسعها وسواها ، فهي اليوم يمر بها الستة والسبعة من الإبل رحمه الله وجازاه خيرا ، ولما انحدرنا منها انتهينا إلى رمل ومن هناك إلى مكة كله رمل وهذا أول الحجاز .
ثم تمادينا على المسير بقية النهار والليل كله ، وكنا ننزل لأداء الصلاة لأوقاتها وفي نصف الليل للاستراحة ، وبعد صلاة الصبح وصلنا الخيام على مسير اثنتي عشرة ساعة على قلعة يقال لها المدورة ، وإلى جانب القلعة أرض ماؤها قريب يحفر عليه شيء قليل وينبع الماء ، منه يستقي الحجاج ويشربون ، وقد أداروا على هذه المنابع سورا يرد عنها الرمل لئلا يغطيها ويعفى أثرها ، فهو يتلقى ما تأتي به الرياح من الرمال ، فظلنا هناك « 382 » مقيمين من الصباح إلى عشية - 221 - النهار ، وسافرنا الليل كله وصلينا الصبح عند الخيام بموضع يقال له ذات حج ، وهناك قلعة مؤسسة على بركتين من الماء ماؤهما كثير إلا أن رائحته كريهة ، وقد حمل الناس الذين لهم خبرة الماء من المدورة الدار التي قبل هذه « 383 » ، فحملنا الماء معنا كما فعل الناس ، فكنا نشرب من
هامش
( 381 ) العقبة ، منزل في طريق مكة من الشام بين واقصة والقاع ، وهو ماء لبني عكرمة من بكر بن وائل فيه مضايق بين جبال تمر بها القوافل وركب الحجاج . ( معجم البلدان 4 - 134 ) .
( 382 ) سقطت من ( أ ) ووردت في ( ب ) .
( 383 ) يورد النابلسي أن بذات حج بركة ماء تحرسها كل سنة طائفة من عسكر الشام ، ويروي أنه " استقى الناس من ذلك الماء الكثير وحملوا الماء لأن بعد ذلك ثلاث منازل لا ماء فيها إلى قلعة معان " . ( الحقيقة والمجاز 485 ) .