في العذاب الذي هو الألم ، فإنه مكروه لذاته وإن عمروا الدنيا فإن لهم في ذلك نعيما ذوقيا لا يعرفه غيرهم ، فإن لكل واحدة من الدارين ملؤها فأخبر الله تعالى أنه يملأها ويخلد فيها مؤبدا ، ولكن ما ثم نص تسرمد العذاب الذي هو الألم ، إلا الحركات السببية في وجود الألم في العادة بالمزاج الخاص الحاس بالألم ، فقد يرى الضرب والقطع والحرق في الوجود ظاهرا ، ولكن لا يلزم من تلك الأفعال الألم ولا بد ، وقد شاهدنا هذا من نفوسنا في هذا الطريق وهذا من شرف الطريق ، وفيه يقول أصحابنا ليس العجب من ورد في بستان وإنما العجب ممن يجد اللذة في غير السبب المعتاد ، وهو كان مطلوب أبي يزيد رضي الله تعالى عنه في قوله :
وكل لذائذي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
ولهذا سمي عذابا لأنه يعذب في حال ما عند قوم فالمزاج يطلبه ، وإذا كان الحق يأمر بتعظيم ما سواه مما يضاف إليه ، وما ثم إلا مضاف إليه إما نصا أو عقلا ، فيبعد أن يتسرمد عليه العذاب الذي هو الألم ، وقد كان الله ولا شيء معه ، ولم يرجع إليه وصف لم يكن عليه مما أوجده وخلقه ، وكذلك هو يكون وإنما قلنا ذلك من أجل من يقول يبقى اسم من الأسماء الإلهية لا أثر له ، قلنا وإن لم يكن له أثر - 179 - فليس كما له بوجود الأثر عنه ، فإن العين واحدة فافهم ذلك .
وهذه من أشكل المسائل في هذا الطريق ، فالله سبحانه وتعالى يقول إن رحمته سبقت غضبه ، يريد أن حكمه برحمة عباده سبقت غضبه عليهم ، ولا يظهر السبق في نفس الشأو ، فإنه قد يكون الفرس واسع النفس بطيء الحركة ، والآخر ضيق النفس سريع الحركة والشأو طويل ، فلا يزال الواسع النفس وإن أبطأ يدخل على الضيق النفس حتى يزيد عليه ويتركه خلفه ، فلا حكم بالسبق إلا في آخر الشأو ، فمن حاز قصب السبق فهو السابق ، ولهذا يطول في المسابقة بين الخيل في المسافة ، فهو مشروع في معرض التنبيه على هذا المقام ، وآخر المسافة هو الذي ينتهي إليه الحكم في السبق ، والرحمة سبقت غضب الله عز وجل على خلقه ، فهي تجور العالم في الدارين بكرم الله تعالى وما ذلك على الله بعزيز ، وإن كان في النار فلهم فيها نعيم فإنهم