في ذلك ، ولكن لا يلزمني الإفصاح عنه لأن الإفصاح عنه لا يرفع الخلاف من العالم ، انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه .
فإن قلت : فما نتيجة العذاب حينئذ إذا لم يتألموا به ، قلت : نتيجته أن ينقلب عذوبة خاصة بهم في حقهم بعد انقضاء مدة الألم ، لا كالعذوبة التي يدركها أهل الجنة في نعيمهم ، فكلما زاد العذاب وقوي زاد تنعمهم الخاص به كما أشار إليه الشيخ رضي الله تعالى عنه في أبيات الفصوص :
وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم * على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد والأمر واحد * وبينهما عند التجلي تباين
يسمى عذابا من عذوبة طعمه * وذاك له كالقشر والقشر صائن
ومن تأمل قوله تعالى :
[ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ]
« 314 » فهم المراد بطريق الإشارة القرآنية لا العبارة ، فإن السور هو الحجاب الذي قال تعالى وبينهما حجاب ولم يتوقف في شيء من ذلك ، لا سيما وكل إنسان يعلم من نفسه أنه إذا أصابه ألم من مرض أو مصيبة مثلا ، ثم طالت مدة ذلك الألم عليه بحيث ألف ذلك الألم ، فإنه لا يجد له إدراكا في نفسه بل ربما تألم لفقده مع أن مدة الدنيا قليلة ، وإنما كان عذاب الآخرة ليس كأمراض الدنيا ولا كمصائبها التي تنسى بطول المدة ، لأن مدة عذابها أطول فتذهب شدة العذاب في طول المدة وما ذلك على الله بعزيز .
وقال الشيخ رضي الله عنه أيضا في " الفتوحات - 178 - المكية " في الباب الرابع والتسعين ومائتين : إعلم أنه لما رأى بعض العارفين تعظيم هذه الأمور مشروعا ، يعني التي أقسم الله تعالى بها من الموجودات والمعدومات بقوله :
[ فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ ]
« 315 » ، ألحق كل ما سوى الله تعالى بالسعادة التي هي في حق أصحاب الأغراض من المخلوقين ، وصولهم إلى أغراضهم التي لا تخلق لهم في الحال ، ولم يبق صاحب هذا النظر أحدا
هامش
( 314 ) الآية 13 سورة الحديد .
( 315 ) الآيتان 38 و 39 سورة الحاقة .