- 182 - فإن قلت : يلزم من انقطاع الألم في حقهم تعطيل اسم إلهي وهو المنتقم كما ذكر الشيخ رضي الله عنه فيما تقدم ، وأسماء الله تعالى يستحيل تعطيلها ، قلت : لا يلزم ذلك بل يغلب اسمه الرحمان على اسم المنتقم كما ورد من أن رحمته سبقت غضبه ، فيبقى فعل المنتقم على ما كان عليه من أثره الذي هو العذاب ظاهرا ، يشوبه اسم الرحمان فيغلب عليه فيزول الألم باطنا ، وذلك أن اسم الرحمان مهيمن على كل اسم إلهي فكان من هذا الوجه في مرتبة الاسم الله الجامع ، ولهذا قال تعالى :
[ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ]
« 318 » .
ولما كان جميع ما تحت العرش آثار الأسماء الإلهية ، قال تعالى
[ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ]
« 319 » ولم يذكر غيره من الأسماء ، وعن أبي يزيد رضي الله تعالى عنه أنه « 320 » لما سمع قول الله تعالى :
[ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ]
« 321 » ، قال : بطشي أشد من بطشه ، لأن بطشه مشوب برحمة بخلاف بطشي ، وما قال ذلك إلا لعلمه بأن اسم الرحمان مهيمن على كل اسم إلهي ، وأثر كل اسم إلهي مشوب بأثره ، فإذا غلب في حق أهل النار على اسمه المنتقم ، بحيث أعدم أثره على البواطن وأبقى أثره في الظواهر بحسب جريان العادة لا مانع من ذلك .
أرأيت بأن المريض إذا وصف له الطبيب طعاما شديد المرارة ولم يعلمه بخاصيته مثلا ، فإنه يتعذب ويتألم باستعماله حتى يعلم بخاصيته ونفعه ، ثم بعد علمه بذلك ربما يصير يتلذذ به ولا يجد له ألما لما يشاهده من نفعه ، مع بقاء المرارة فيه على حالها بل ربما نقول مع بقاء الألم في ذلك على حاله ، ولكن حصلت - 183 - اللذة لغلبة حال آخر أشد من الأول ، كقيراط من الصبر « 322 » المر إذا وضع في أوقية من العسل ، فإن حلاوة العسل تغلب
هامش
( 318 ) الآية 110 سورة الإسراء .
( 319 ) الآية 5 سورة طه .
( 320 ) سقطت من ( أ ) ووردت في ( ب ) .
( 321 ) الآية 12 سورة البروج .
( 322 ) عصارة شجر مر .