يذوقونه أولا عند مسهم له محض ألم وجيع ، ثم يتطورون في طور آخر فيذوقونه لذة وعذوبة ، فيبقى العذاب أبدا ويبقى ذوقهم له أبدا ولكن تتبدل جهة الذوق فقط ، فليس في هذه الآية صريح تسرمد الألم والوجع على أهل النار - 176 - فتأمل والله أعلم .
وقال الشيخ رضي الله عنه في كتاب " الفتوحات المكية " أيضا في الباب التاسع والثمانين ومائتين : والشقي له جزاء بما أوعده من الشر في دار القرار ، لوجود العذاب الدائم الذي لا يجري إلى أجل مسمى ، من حيث الجملة حكما إلهيا عدلا كما كان النعيم في السعيد فضلا ، لا يتبدل ولا ينخرم ولا ينسخ وفي هذا خلاف بين أهل الكشف . وكذلك أيضا الخلاف في أنه هل يتسرمد العذاب عليهم في النار ، أو يكون لهم فيها نعيم بها كما لخزنتها ، وإن لم يخرجوا منها « 313 » فإن الله تعالى قال لكل واحدة منهما علي ملؤها ، فتتنوع عليهم أسباب الألم ظاهرة وهم يجدون عنها اللذة في نفوسهم باطنا ، بعد ما يأخذ العذاب الألم منهم حق العقوبة الموازي لمدة الكفر في الدنيا ، فإذا فرغ الأمد جعل لهم في نعيم في النار والسلاسل ، بحيث لو دخلوا الجنة تألموا لعدم موافقة المزاج الذي ركبهم الله عليه ، فهم يتلذذون بالنار والزمهرير وما فيها من لذغ الحيات والعقارب ، كما يتلذذ أهل الجنة بالظلال والنور ولثم الحور الحسان الذي مزاجهم يقتضي ذلك ، ألا ترى أن الجعل يتضرر بريح الورد ، وكذلك من خلق على مزاجه فما تم مزاج إلا وله لذة بما يناسبه ، ألا ترى المجروح يتألم بريح المسك ، فاللذات تابعة لملائمة ( كذا ) الطبيعة ، فكما أن أهل الجنة يتعذبون برؤية النار ، كذلك أهل النار الذين هم أهلها يتألمون برؤية الجنة ، فلو دخلوها هلكوا ، فهذا الأمر حق في نفسه لا ينكره عاقل ، وإنما الشأن هل أهل النار على هذا المزاج بهذه المثابة ، أو هم على مزاج يقتضي لهم الإحساس بالآلام والعذاب .
والنقل الصحيح - 177 - الصريح ، النص الذي لا إشكال فيه إذا وجد مفيد للعلم بلا شك والله على كل شيء قدير ، وإن كنت لا أجهل الأمر
هامش
( 313 ) سقطت من ( أ ) ووردت في ( ب ) .