المنقطع ، الألم الذي يجده المعذب في نفسه عند مسيس النار ، وعقاب الزبانية ولسع الحيات والعقارب له ، لا مراده بالعذاب المنقطع صورة هذه الأشياء فإنه قائل بتسرمدها على الكفار كالخلود في النار ، فإن قلت : لم لم يجز أن يكون المراد بالعذاب الوارد في القرآن ، هو حصول الألم عند هذه الأشياء المذكورة لا هي مجردها ، قلت : العذاب حيث ورد في النصوص فالمراد به صورة هذه الأشياء المذكورة المحسوسة ، من مسيس النار وعقاب الزبانية ولسع الحيات والعقارب ، ونحو ذلك مما جرت العادة - 175 - أن الله تعالى يخلق الألم عنده ، لا المراد به الألم نفسه ، لأن الألم هو العذاب الذي يقول به المنكرون لحشر الأجساد القائلون بالمعاد الروحاني فقط ، وهم الفلاسفة وقد كفروا بذلك ، ولأن الله تعالى قال
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 312 » ، والمشهود من الزاني والزانية عند الرجم إنما هو صورة الفعل لا الألم . أرأيت أن الأكل اسم لمجرد إيصال ما يحتمل المضغ من الطعام إلى الجوف ، والشرب اسم لمجرد إيصال ما لا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف ، وليس الشبع والري من مسماهما بشيء ، ولكن جرت عادة الله تعالى أن يخلق الشبع عند استعمال الطعام المسمى ذلك بالأكل ، والري عند استعمال الماء المسمى بالشرب ، وقد لا يخلق ذلك فيكون الأكل والشرب موجودين والشبع والري مفقودين .
وفي مسألتنا هذه إذا تخلف وجود الألم لا يلزم فقدان العذاب ، لما عرفت أن العذاب الوارد في النصوص اسم لصورة هذه الأشياء المذكورة ، مما جرت العادة أن الله تعالى يخلق الألم عندها ، فليس الألم من مسماها بشيء كما ذكرنا في الشبع والري ، ولا شك أيضا عند كل أحد أن إدراك العذاب غير العذاب ، كما أن السماء والأرض يبقيان وإن زال عن المدرك إدراكهما فافهم .
وأما قوله تعالى :
[ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ] ،
فليس ذوقهم للعذاب خاصا بتألمهم به دائما ، بل يمكن أن يقال
هامش
( 312 ) الآية 2 سورة النور .