ونقول أيضا إن أهل الكشف إذا أشرفوا على حقيقة النشأة الأخروية وانكشفت لهم أحوال الناس فيها ، ظهر لهم منها ما لم ينبه عليه الشرع صريحا من كيفية النعيم والعذاب ، وحقيقة الثواب والعقاب مما لم يحتج الشرع إلى بيانه ، فسكتت الأنبياء عليهم السلام عن التصريح به وأجملته ولم تفصله ، لأنه من علم الهداية لا من علم المجاهدة ، والأنبياء عليهم السلام - 181 - إنما جاءوا إلى كافة الخلق من عند الله تعالى بعلم المجاهدة ، وعلم الهداية يتولى الله تعليمه لمن يشاء من عباده .
قال تعالى :
[ وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ]
يعني على الكيفية التي جاءت بها الأنبياء عليهم السلام من عنده
[ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ]
« 317 » ، أي نوصلهم إلى الاطلاع على حقائق الأشياء الدنيوية والبرزخية والأخروية ، والاطلاع المذكور هو مقام الولاية لأن الله تعالى يتولى تعليمه للعبد ، فكشف الشيخ رضي الله تعالى عنه حين حصل له علم الهداية من الله تعالى عن حال أهل النار ، فوجد العذاب الذي هو الحركات المخصوصة من الزبانية والسلاسل والأغلال ، والحيات والعقارب والتهاب النار والحميم والزقوم ، كل ذلك متسرمد لا شبهة فيه على حسب ما وردت به النصوص ، ولكن وجود الألم الناشئ في أجسام المعذبين بذلك العذاب ومن أرواحهم بخلق الله تعالى عند مقارنة ذلك ليس متسرمدا ، بل له أمد وحد ينقطع عنده فيبقى العذاب على ما هو عليه ، ولكن ينقطع ألمه عنهم بعد استيفاء الألم لمدة الكفر الواقع منهم في الدنيا ، وكان تخليدهم في النار وفي عذابها المذكور أبد الآبدين ودهر الداهرين في مقابلة نيتهم في الدنيا ، فإن نيتهم كانت فيها أنهم يبقون على الكفر ما عاشوا ، والألم الذي يحصل لهم من ذلك العذاب في مقابلة كفرهم بالفعل ، ولا شك أن كفرهم بالفعل في الدنيا له مدة متناهية ، فيدركون الألم مقدار موازنته عند الله تعالى ، ثم ينتقلون إلى جزائهم على كفرهم بالقوة بسبب نيتهم ذلك ، فيصير العذاب في حقهم صورة عذاب في ظواهرهم ، كما أن كفرهم بالقوة في الدنيا كان صورة كفر جزاء وفاقا .
هامش
( 317 ) الآية 69 سورة العنكبوت .