وطورت شكل الجان في الأرض * قبلكم وجئت لهم رسلا لإبلاغ حجة
وقد كنت تكذيبا لرسلي منهم * فصرت لهم أوفى هلاك ونقمة
وفي كل أطوار الشياطين بينكم * ظهرت بوسواس لأصحاب شقوتي
وطورت في شكل العناصر ثم في * مواليدها في الأرض تلك الثلاثة
ففي معدن طورا وطورا ظهرت * في نبات وحيوان لتتمم حكمتي
وكنت رياحا من شمال ومن صبا * أهب فأروي عن حديث الأحبة
وكنت بحارا زاخرات على المدا * تفيض فتبدي موجة بعد موجة
وطورت أرضا ثم صرت جبالها * لإرسائها فوق البحار المحيطة
وإني على ما كنت فيه ولم أزل * ولي رتبة التنزيه أرفع رتبة
وما كثرة الأطوار مني غيرت * صفاتي ولا ذاتي ولا قدر ذرتي
وهل أنت في تخييل ذاتك فاطنا * تغيرت عما كنت في كل مرة
فيجلو عليك الفكر ما قد أردت من * زخاريف أشباح هنا مستحيلة
وذاك كهذا غير أن الخيال مع * تخيله في الغير لا في الهوية
وما هي إلا أنت لا شيء هاهنا * سواك فحقق سر تلك الحقيقة
- 146 - وإياك والتشبيه في كل موضع * توهمت فيه الغير وافطن للبستي
وخذ كلما ألقي عليك منزها * ولا تخش عارا إن فهمت إشارتي
وهذا الذي قد قلته كله أنا * ظهرت به لي قاصدا لنصيحة
ولما انقضت أطوار ذاتي بمقتضى * صفاتي وأسماء العظام الجليلة
وتم التباس بالذي أنا مظهر * له من شخوص فصلتها إرادتي
وسويت جسم الكل بي فهو قابل * لوحيي وتفصيلي استعد لجملة
جمعت من الأشياء طينة آدم * ومنها إلى الكل الدقائق مدت
وخمرتها حتى تناسق نشوها * وسويتها حتى لنفحي استعدت
ولما استتم الأمر واستكمل الذي * أردت من الإجمال في البشرية
ففي تلك من روحي نفخت وقد سرت * نسائم أمري في رياض الطبيعة
فقمت سميعا باصرا متكلما * مريدا عليما ذا حياة وقدرة
فلم يبد مني غير ما هو كائن * لدي وبي مني على حكومتي
فكنت كماء لونه من إنائه * وكالشمس تبدو خضرة بالزجاجة
وأسجدت أملاكي بأمري لمظهري * فكان سجودي لي وآدم قبلتي
رحلة المكناسي — صفحة 189
مساهمون: محمد بن عبد الوهاب المكناسي
ص١٨٩