مخدومهم إكراما زيادة على الأجرة المعلومة ، وصار ذلك عادة لازمة كالشرط ويسمون ذلك البقشيش بلغتهم ، وبها حمام مبني على ماء يخرج من الأرض في غاية الحرارة وجعلوا له حوضا كبيرا عمقه أقل من القامة ، فهو مثل المغطس يصب فيه ذلك الماء ويخرج منه ، وهو ملآن دائما والناس يغتسلون على حاشيته ومن أراد أن ينزل إليه ينزل ، وماء هذا الحمام كثير مثل النهر الصغير وله خدام مثل الحمامات بمآزرهم وأرديتهم ، فمن دخل وأخذ الميزر أو خدمه أحد من أهل الحمام يعطي كراء الميزر وأجرة الخديم مثل الدلاك ، ومن خدم نفسه وأتى بميزره معه فلا يلزمه شيء لأن الماء سخن بقدرة الله تعالى فلم يتسبب أحد فيه ، ويسمونه حمام القدرة وقد دخلت إليه واغتسلت فيه ولم أستطع أن أطيل اللبث فيه لحرارته .
وهذه المدينة وحوزها شديدة البرد فقد سلكناها والشمس في برج الجوزاء ولاقينا بها من البرد ما يقل وجوده عندنا حتى في الليالي ، ونباتها من أجل ذلك ضعيف وزرعها في هذا الفصل لم يستو على ساق . ثم رحلنا من هذه المدينة قرب الغروب وسرنا الليل تسع ساعات ونزلنا - 97 - بعد طلوع الفجر على قرية يقال لها سيدي الغازي ( 10 ) ، سميت باسم رجل من الصالحين مدفون بها واسمه جعفر ولقبه البطل الغازي ، وهو مدفون في قلعة مشرفة على القرية وهي أي القلعة من بنيان الروم ، وقد زرنا ضريحه وتبركنا بتربته . وأخبرت أن الذي بنى ضريحه علاء الدين السلجوقي ولم أقف على من عرف به تعريفا شافيا .
وهذه القرية مؤسسة على ربوة من الأرض أسفلها نهر عذب وعليه كان نزولنا ، وهي أيضا شديدة البرد مثل البلاد المتقدمة . ومن الغد سافرنا منها في بلاد غابة أكثر شجرها لرز « 194 » ( كذا ) المعلوم ، فنزلنا على قرية يقال لها خصرم باشا على ثمان ساعات . ومن الغد سافرنا أيضا في غاية أكثر شجرها الأرز ، فنزلنا على قرية يقال لها بياض كوى ، المعنى المدشر الأبيض على خمس ساعات ، وقد وجدناها خالية من أهلها وكذلك القرية التي قبلها لأن
هامش
( 194 ) يقصد الأرز .