فأخذوا في نقر دفوف ورنة مزامير جماعة منعزلون في ناحية ، ثم قام الشيخ وجماعة من الفقراء وجعلوا يطوفون في ذلك المجال ، ومهما سامتوا قبر الشيخ إلا أومئوا له برءوسهم بسكينة ووقار ، ثم دخل الفقراء الميدان وجعلوا يدورون وتركناهم على ذلك وانصرفنا لقرب وقت سفرنا ، لأن السفر في هذه الطريق ليلا كما قدمنا ، وقد رأينا هذه الجماعة وحضرتهم لما كنا بالقسطنطينة ويسمونها حضرة مولانا ، وقد أخبرونا أنه إذا ولي سلطان جديد يتوجه أحد من ذرية هذا - 100 - الشيخ وهو الذي يكون معينا في الوقت حتى يبايع السلطان « 201 » ويأخذ عليه العهد في أن يسير في المسلمين بالعدل ، وبعد ذلك يقلده السيف علامة على تمام البيعة والانقياد إلى حكمه وأمره ونهيه ، وبعده يبايعه الأعيان والناس .
وأقمنا بهذه المدينة يومين وهي المدينة الثانية التي يقيم بها الحجاج بين القسطنطينة والشام ، وبعد صلاة المغرب سافرنا فنزلنا على قرية خالية يقال لها إسمل على إحدى عشرة ساعة ، وهذه البلاد التي مررنا بها من قبل مدينة قنية كلها صحراء ذات انفساح وفجاج ، كثيرة الغبار والرياح والعجاج قليلة النبات ، نباتها نبات بلد الصحراء تنبت الشيح والحرمل وما أشبه ذلك ، فقلنا « 202 » بها وقرب المغرب سافرنا في بلاد مثل البلاد المتقدمة فنزلنا بعد طلوع الشمس على قرية يقال لها قربنار « 203 » ، وهي قرية كبيرة إلا أنها في صحراء شديدة الرياح والعجاج لم يستقر لنا بها مقام ولا استراحة ولا منام ، وقيل أنها على هذه الحالة في غالب الأوقات ، وقد وصلناها على تسع ساعات ونصف ، وبهذه القرية تصنع الأجربة جمع جورب التي تجعل في الأرجل من الصوف ومنها تجلب للبلاد ، ومن أجل ذلك قيل لها والله أعلم قربنار ، لأن الجراب والقراب « 204 » لفظة واحدة زيدت فيه النون والراء كما
هامش
( 201 ) كتب في طرة ص . 103 من ( ب ) ما يلي : " بل له وكيل في أبي أيوب الأنصاري ينوب عنه في ذلك ، إذ لا يمكن أن يبقى أمر الخلافة معطلا حتى يأتي الشيخ من هذه البلاد والمسافة بعيدة " .
( 202 ) من القيلولة .
( 203 ) وردت بقاف مضمومة ذات ثلاثة نقط وراء مفتوحة وباء مسكونة .
( 204 ) وردت بقاف ذات ثلاثة نقط .