تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
من السهل أن يترك المرء الحياة العشائرية ويسكن في المدينة . ولكن من المستحيل له تقريبا العودة إلى منطقة سكن عشيرته إذا ما كان عاطلا عن العمل . كنت في سنة 1936 في مراكش . وزرت حيّا كبيرا يقع في ضواحي الدار البيضاء والمعروف لدى الفرنسيين باسم ( بيدونفيلا
( Bidonville
حيث البربر المعوزون يعيشون فيها في أكواخ مبنية من تنكات فارغة . وكانوا قد جائوا في الأصل إلى الدار البيضاء من قراهم الجبلية خلال سنوات الازدهار الاقتصادي من بعد الحرب العالمية الأولى حينما كان الطلب شديدا على الأيدي العاملة - وقد قلّ في الثلاثينات من سنة 1930 بشكل ملحوظ . ورأيت بأم عيني في ذلك الوقت الذي زرت فيه هذه المنطقة هؤلاء البربر يكنسون الأرض حول بالوعة بحثا عن فتات الطعام ليأكلوها حتى يبقوا أحياء لأنهم كانوا يموتون جوع بالعشرات . وفي العراق ، ترك الكثيرون من المهاجرين قراهم هربا من ظلم وطغيان الشيوخ ولكنهم جوبهوا باعتداءات الشرطة في بغداد والبصرة . وهؤلاء ، بعد أن أقاموا صرائفهم من الحصران بين أكواخ الآخرين من أفراد عشيرتهم من غير ترتيب ولا تنظيم على أرض خالية داخل المدينة يشعرون كأنهم في بيوتهم أو في قراهم ، وانصرفوا إلى مزاولة أعمالهم . غير أن الشرطة أخذت تضايقهم وتجبرهم على إخلاء المنطقة حسب الأوامر المعطاة لهم بهذا الخصوص . « وين لازم نروح ؟ » . « أي مكان . بس لا تبقون هنا . روحوا إلى قراكم إذا ما تحبون العيش هنا . هيّا . اهدموا ذلك البيت . بسرعة ! نحن مشغولين » . وهكذا ينتقلون من مكان إلى آخر ويبنون صرائفهم وما يكادون يستقرون حتى تأتيهم الشرطة وترحلهم . أما إذا استقروا في ضواحي المدينة ، فعليهم أن يصرفوا المال الذي يحصلون عليه بصعوبة كأجرة
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 318 | ويلفرد تسيجر