تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
في عزاء ابنه وبقول : « أرضي ! هسّه ، ولما أموت . شراح يجري لأرضي ؟ » . فعرفت عند ذاك وأنا أشعر بالأسى والحزن العميق أنه يضع مصلحة أرضه فوق مصلحة عشيرته . اختفت العلائق القديمة التي كانت سائدة بين الشيخ وأبناء عشيرته في عشيرتي البو محمد والازيرج ولهذا السبب كان كلاهما فقيرتين . أما الرابطة بين العشائر التي تربي الأغنام فلا زالت قائمة . حثّ الشيخ مزيد آل عيسى عشيرته على زراعة الشعير طوال سنوات في البر الرئيسي ، غير أن الظروف كانت غير ملائمة . فأحيانا كانت المياه كثيرة جدا وأحيانا أخرى شحيحة جدا . وعملهم هذا كان يعتبر مجازفة بالنسبة للعشيرة . غير أنّ الشيخ مزيد أغرق نفسه بالدين للحكومة . وعلى أية حال ، لما رأت العشيرة حالته هذه وأنه في عسر شديد جمعت له المال من بين أفرادها ودفعت ديونه . ومثال آخر أذكره هنا عن تصرفات بعض الشيوخ . فمثلا الشيخ محسن بن بدر من البو صالح . طلب مني صباح أحد الأيام بأن أصطحبه بطرادتي إلى مركز اللواء الذي يبعد مقدار ساعتين ويقع شمال الغراف . ولما نزلنا إلى البر ، توجه نحو الدائرة حيث كان المدير يجري محاكمة لأحد الأشخاص عن إحدى القضايا . وبعد أن حيّا المدير اتجه صوب السجين وقال له بحدّة وعصبية : « روح واركب الطرادة برّة » ثم التفت صوب المدير وقال له « لا تشغل نفسك معه . هذا ينتسب إلى عشيرتي . أنا أعالج الموضوع » ثم جلس وبدأ يتحدث بشكل مهذب قبل أن يقول لهم سامحوني على كلامي هذا . وبحلول سنة 1956 انتهت أعمال الهجرة الجماعية إلى المدن . غير أن الأسر استمرت في الرحيل إلى بغداد والبصرة على الرغم من أنّ الأخبار التي كانت تردهم غير مشجعة . ولهذا عاد قليل منهم إلى قراهم بعد أن تحرروا من الوهم .