كان ربع الدينار في ذلك الوقت يعني أجرا ممتازا ، غير أنهم اصطدموا بالواقع لما ذهبوا إلى المدينة ووجدوا هذا المبلغ بالكاد يكفي لمعيشة الرجل وأسرته مهما اقتصد في عيشه . وفضلا عن ذلك ، قد يتوقف العمل في الأجواء الرديئة لمدة طويلة ، فعندها لا يتقاضى أي أجر طوال مدة بقائه عاطلا عن العمل . وأن كل شيء في المدينة يتطلب المال ، حتى الماء ولهذا السبب قال بعضهم :
« بس شنو الغاية من روحتنا للمدن ؟ فالرجل اللي يبقى في بيته في القرية ويعمل بجد ونشاط في حقل الشلب الذي يزرعه يمكن أن يدر عليه حاصلا يكفيه لطعامه وطعام أسرته لمدة سنة من بعد أن يأخذ الشيخ حصته ويبقى عنده فضله ( 35 ) دينار » . وهذا المبلغ له قيمته . فهو يعادل ما يصرفه يوميا طوال السنة بمعدل مائة فلس أو يعادل أجرة عمل ستة أشهر فقط .
وفي المواسم الضعيفة يمكنه الذهاب للحصاد مع أسرته ويحصل على الحبوب بحيث تمكّنه من بيع كثير من الشلب . وبإمكانه الاحتفاظ بالجواميس ليحصل منها على الحليب واللبن ويربي الدجاج ليحصل منها على البيض واللحم . هذا بالإضافة إلى أنه يحصل على الوقود ومواد البناء وعلف الحيوان بدون أن ينفق أي شيء . كما أن هناك السمك في الأنهار والبحيرات ويعثر على الطيور المائية في الأهوار . وعلاوة على ذلك ، فإن هناك فرقا قليلا في هذه القرى بين معيشة الغني والفقير .
والشيخ يعيش بالأسلوب نفسه الذي يعيشه أفراد عشيرته ولكن بشكل أفضل .
أما في بغداد والبصرة فيكون التباين كبيرا وشاملا . فالأحياء الفقيرة المجاورة للفنادق الغالية والدور العصرية الحديثة والتي تشيّد على شكل أكواخ وصرائف تضم أنواعا مختلفة من النفايات تكون والحالة هذه أكثر قذارة من أية قرية من قراهم لأنه لا تتيسر فسحة خالية بالقرب من هذه الأكواخ والصرائف .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 317
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٣١٧