تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
غادرت القرية متوجها إلى قرية العويدية وهي قرية صغيرة من قرى عشيرة الفرطوس والتي سبق لي وزميلي دوكالد ستيوارت أن زرناها قبل سنة فوصلتها بعد ساعتين . وإلى أن وصلنا القرية ، كنّا نجذف المشحوف عبر بحيرة صغيرة محاطة بقصب عال ومن ثم ندفع المشحوف بالمردي على امتداد مجرى ماء عريض . وقبل الوصول إلى القرية ومشاهدة أول بيت من بيوتها من فوق القصب ، كنا نسمع أصواتا صادرة من قرى الأهوار عبر المياه وهي همهمة أصوات كثيرة ، والضرب الممل لنساء القرية وهن يدققن القمح ، وأصوات الجواميس ونباح الكلاب والشيء الواضح جدا هو صياح الديكة . وتنتشر بيوت القرية بين منابت القصب . وكان مضيف جاسم الفارس الصغير يقع في الطرف البعيد منها ، وهو يرتفع شامخا فوق الدبن عن سطح الماء ، والهيكل بأسره يميل نحو الباب . وأما جاسم نفسه ، فهو رجل طويل القامة ، نحيف الجسم ، يرتدي دشداشة بيضاء ، كان يقف في المدخل . أحببته من أول نظرة . وجهه ذو تجاعيد عميقة ، وأنف مستقيم وفم ثابت وعينين تنمان عن العطف والحنان ، أسرع فالح ، الابن الأصغر ، والذي ضيّفنا قبل سنة ، ودخل الغرفة وجلب البسط والوسائد . قدّرت عمره بخمسة عشر عاما وهو جميل المحيّا ولكنه ذو طباع رديئة . يعاني من مرض الفطريات في الرأس . وفروة رأسه كلها عبارة عن قطعة من القشرة اليابسة وهو يخفيها دائما وبعناية بالكوفية التي يضعها على رأسه . ورأيت فروة رأسه مرة حينما طلب مني معالجته . إن هذا المرض شائع بين الأطفال . ويظهر أنهم يتخلصون منه بالتدريج حينما يبلغ الشاب من العمر ( 14 ) سنة . ولكن الأكثرية تفقد شعرها بصورة دائمة نتيجة لهذا المرض . مكثت عند جاسم الفارس مدة أسبوع ، وسرعان ما شعرت كأنني في