وفوق كل ذلك ، إنصبّ اهتمامهم كثيرا على شق القنوات التي جعلوا المياه تجري فيها . وجاءت الأقوام الصفراء على ظهور خيولها تحت قيادة زعيمهم جنيكز خان من صحارى آسيا الخارجية وانقضّت على العالم ذبحا وقتلا وهي تستمتع بعملها هذا . وترى نصبها عبارة عن أهرام من الجماجم البشرية .
وعندما هبت هذه الزوبعة من الدمار أخيرا نحو العراق قضت على الأعمال المنجزة خلال عدة قرون ودمّرت نظام الري الذي يعتمد عليه رخاء البلد وقضت عليه .
وكان معظم هذا التخريب على شكل متعمد . غير أن هذا الدمار كان ناجما على أكثر احتمال عن تأثير تراكم الإهمال . وينبغي وجود منظمة وعددها هائل من العمال حتى يقوموا بتنظيف القنوات وتقوية السدود لكي تعود إلى حالتها الأولى . كما ينبغي بناء السدود لتنظيم مياه الفيضانات .
وبعد أن ولّت قبائل المغول ، بقي عدد قليل جدا من الناس على قيد الحياة ، وكانوا محطمين نفسيا ، لا يرجى منهم الخير في إصلاح الضرر .
فانقلبت الحقول الصالحة للزراعة إلى صحارى ، والمياه الثمينة تبددت في المستنقعات . ولا يزال الناس يزرعون على امتداد سواحل النهر ولكن توقفوا عن تسمية العراق بلدا زراعيا وأصبح بلدا يهتم بتربية المواشي .
والمدن التي كانت من بين المدن العظمى في العالم انحلّت وتفسخت حتى أصبحت على شكل قرى صغيرة .
فالعرب البدو ، المتواجدون في الصحراء الكائنة وراء نهر الفرات ، اندفعوا إلى البلد وأخذوا يرعون قطعانهم على سفوح الهضاب التي كانت في يوم ما قصورا للملوك . وبينما استوطن العرب الأصليون نرى هؤلاء المهاجرين الجدد ، مع خيامهم السود ومع قطعانهم المؤلفة من الإبل والغنم والماعز تقسّم هذه الأرض إلى أراضي رعي .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 146
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص١٤٦