أما حاكم نصيبين فبيك ، يستلم مهامه من والي ماردين ، علما ان هذه المنطقة كانت تتبع في ما مضى باشا ديار بكر ، ويدفع المسافرون حاليا رسم مرور لموظف خاضع لوالي ماردين ومكس لمدير الرسوم في ديار بكر . ولا يوقف الأول المسافرين طويلا لأنه لا يحسب الحمولة التي يترك امرها لرجال الجمارك . وأراد خادمي ، وهو ماروني من حلب ، ان يتفاخر وأن ينال التقدير في القافلة ، فأشاع اني سيد ثري عائد من الهند ، مما جعل رجال الجمارك يظنون اني احمل معي الكثير من اللآلىء والأحجار الكريمة ، فطلبوا مني فتح كافة الصناديق ، في حين ان رجال الجمارك في المحطات الأخرى ما أن يروا كتبي يعتبرونني درويشا لا يحمل بضائع . لكن خادمي هذا لا يعرفني حق المعرفة ، بل إنه يجهل اسمي ، فقد استخدمته في بغداد بدل أحد المسلمين الذين عاد إلى البصرة . وبما ان العرب والأتراك يسألونني غالبا عن اسمي ويجدونه غريبا فينسونه على الفور ، وبما أنهم يطلبون مني شرح معنى « نيبور » باللغة العربية ، ويستغربون كيف لا نحمل أسماء كأسمائهم الخ ، الخ ، اسميت نفسي عبد الله لأن هذا الاسم شائع بين المسيحيين الشرقيين وبين المسلمين فتخلصت بذلك من أسئلة وأجوبة غير مجدية . وسمعني خادمي الحالي أقول عبد الله آغا ، فأخذ يدعوني بهذا الاسم ولم يعرف اسمي الحقيقي إلّا حين وصلنا إلى حلب .
وحاول خادمي هذا التعرف على كافة المسافرين في القافلة ، وعاد قبيل وصولنا إلى نصيبين يرافقه يهودي من براغ علم اني اوروبي . وهو حاخام ، جاء لزيارة قبور يونس وحزقيال وغيرهما من الأنبياء والشخصيات الوارد ذكرهم في التلمود ، ولاحظت انه باع كتبا عبرية في هذه البلاد لتغطية نفقة سفره التي لا أظنها مرتفعة لأن اليهود الشرقيين في المدن مضيافون لأبناء دينهم كالاوروبيين .
واشتكى هذا الحاخام من تاجر من أبناء دينه من الموصل ، طلب منه تسليفه المال الذي يحمله حتى حلب ، لكن الحاخام رفض ذلك . وأضاف ان هذا التاجر يسيء حاليا معاملته ، وأن غيره من اليهود لا يحركون ساكنا حين يطالبه المكاري ، وهو مسلم لا يمكنه التفاهم معه بلغته ، بالمال لسبب أو لآخر وحتى حين ينهال عليه بالضرب . أما السبب الحقيقي الذي دفع هؤلاء اليهود الشرقيون إلى ترك هذا اليهودي برأيي ، فهو لأنه حاول التفاخر بعلمه ومقامه ولأنه بخيل للغاية في حين انه يحمل ما يكفي من المال . ورجاني أن أخلصه من أبناء دينه الذين اظهروا قساوة تجاهه ، فأسديت له هذه الخدمة ، وأمّنت له مكاريا مسيحيا قسّم أغراضه على بغاله كافة ، ويكره المسيحيون عادة اليهود أكثر من المسلمين في هذه البلاد الشرقية ، لكنهم لم يقدموا على اهانته لأنه وضع نفسه في حمايتي ، وقد شكرني على ذلك . وبما أن المسيحيين يعلمون ان اليهود لا يسافرون نهار السبت ، ابطأ المكاري على بعد فرسخ من ماردين ، وبقي مع اليهودي وخادمه ، وهو شاب من براغ ، لكنها لم تكن سوى حجة للحصول على المال ، وطالبه بقرشين ليكمل السير في ذاك اليوم ، واضطر اليهودي إلى دفع المال ، وهكذا أوصلته إلى ماردين ، نهار الجمعة عند المغيب ،
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 295
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٩٥