انهار صغيرة أخرى أشرت إليها على الخارطة ، ثم تصب بدورها في الخابور
( Khabur )
الذي يعود ويصب في الفرات « * » . وتتميز المنطقة المحيطة بنصيبين بكثرة المستنقعات ، وتكثر فيها زراعة الأرز . وأهم ما يلفت الانظار هنا هو جسر على النهر الذي جئت على ذكره آنفا ، وقسم من كنيسة بنيت تكريما للقديس يعقوب ، مطران نصيبين ، والمشهور هنا بتصديه لعقيدة أريوس
( Arius )
في مجمع القسطنطينية . ويقوم الجسر على اثنتي عشرة قنطرة ، ولا يزال في حالة جيدة ، إنما لم يبق من البرج الواقع امام المدينة من هذه الجهة والذي يستعمل لمراقبة الطريق إلا الحائط الرئيس . بنيت كنيسة القديس يعقوب من حجارة مصقولة ، لكنها انهارت حاليا ، ونجد قربها صرحا صغيرا ، حاول أحد الحكام المسلمين استخدامه كمخزن للقمح لكن القديس يعقوب ظهر له في الحلم وسأله لماذا يدّنس معبده ، مما دفع المسلمين ( بحسب ما يروي المسيحيون ) إلى اخلاء المبنى ، وبناء منبر فيه . ويستخدم اليعقوبيون حاليا هذه الكنيسة الكبيرة نوعا ما ، لكن الرعية صغيرة فلم يعين لها كاهن دائم انما يستقدم واحد من ماردين عند وفاة أحد المسيحيين أو عند عمادة أحد الأطفال ، ويقيم الأرمن الذين يتبعون روما قدّاسهم في الكنيسة الكبيرة . ونرى على مقربة من هذا المكان خمسة عواميد منتصبة ، لكنها سيئة الصنع . اما بالنسبة للكتابات ، فلم أر أيّ منها في نصيبين ، لكن أكدوا لي ان هناك قبر يحمل كتابات أوروبية ( لعلها لاتينية ) « * * » .
وقادني الرجل الذي رافقني إلى كنيسة القديس يعقوب إلى قبر هذا الأخير أولا ، فوجدت تابوتا حجريا يعلوه غطاء ثقيل ، ورأيت في جانب القبر ثقبا كبيرا يمكن تمرير اليد منه . وحاولت معرفة ما إذا كان جسد القديس موجودا ، لكن مرافقي الذي بدا قلقا من حشريتي أكّد لي أنه دفن تحت التابوت كي لا يسيء اليه المشركون . وعلمت لاحقا ان الكهنة الروم أرسلوا منذ زمن جسد هذا القديس وغيره من القديسين الشرقيين إلى أوروبا ، وقال لي مرافقي ، إن هذا الثقب في التابوت يسمح للمسيحيين المؤمنين بأخذ حفنة تراب منه ، وإنّ هذه الحفنة إذا ما خلطت بالماء تشفي من الحمى .
ونصادف على ربع فرسخ من نصيبين بناء مهدما ، يزوره اليهود باستمرار ، ويؤكد سكان المنطقة ان قديسا اسمه أمّا
( Amma )
دفن فيه ، لكن حاخاما من براغ ، كان في قافلتنا ، أطلق عليه اسم يهوذا بن بتاره
( Juda Ben Patara )
وقال إن التلمود اتى على ذكره ، ويعتقد أن الحاخامات القدامى اعتادوا ان يسمّوا نصيبين منزيفن
( Menziven )
.
هامش
( * ) يقال إن هناك بين نصيبين ودارا ، على بعد ثمانية فراسخ من ماردين ، شاهدة قبر اوروبي ، .
( * * ) وأكد لي البعض اننا نجد كتابات أوروبية أخرى في المنطقة الجبلية قرب ماردين . وقد حاولوا مرارا مرافقتي لرؤية كتابات أوروبية ، فوجدتها شرقية قديمة . وإذا ما وجدنا هنا كتابات لا يمكن ان يقرأها المسلمون أو المسيحيون الشرقيون فهي تستحق ان تنسخ .