وقابلته مجددا في حلب ، فأخبرني أنه تعرض للسلب بين ديار بكر وحلب ، وكان يعلم أن المسيحيين والمسلمين لا يكترثون لليهود الذين يسافرون في قافلتهم إن اكملوا الرحلة يوم السبت أم لم يفعلوا ، كما يعلم أن الدرب غير آمنة لمسافر وحيد ، لكنه ترك القافلة تتحرك نهار السبت صباحا ، فسطا عليه تركماني بعد ساعات قليلة . وبقي امامه حلّان ، إما ان يحتفل بالسبت عاريا وجائعا ويسافر يوم الأحد ، وإما ان ينطلق على الفور . فاتخذ القرار الحكيم وسارع للحاق بالقافلة .
ولم يكن ينبغي ان يظهر ايمانا زائدا ، بل إن يتأقلم مع الوقت والظروف ويتّبع مثل اليهود الشرقيين وخادمه الخاص الذي رافق القافلة في ذاك اليوم متنزها ( ولا يسمى هذا سفرا يوم السبت ) وحافظ على ثيابه ، واشتكى الحاخام من الشرقيين بشكل عام ، ولم أسد اليه سوى نصيحة واحدة وهي تعلّم لغة أهل البلاد والتعوّد على عاداتهم وتقاليدهم عندما يريد السفر .
وتعرضت انا نفسي للمشاكل على الطريق بين الموصل ونصيبين ، فحين عدّ عرب كاسي كوبري الحمولة كلها ، بغية أخذ رسوم المرور المعتادة ، وقد نظر خدم الشيخ إلى سريري وسرير خادمي ، وعند المساء ، جاؤوا لأخذها لسيّدهم ، ولم اتجرأ على الاعتراض لأنهم قالوا إنهم يقومون بذلك بناء على أوامره ، وقد رأيت الطريقة التي يعامل بها هؤلاء كبار التجار المسلمين . وقصدت أولا قائد القافلة واشتكيت له مما حصل . فكلّم الشيخ في الليلة نفسها لكني لم احصل سوى على سريري ومخدتي .
وفي اليوم التالي ، قصدت الشيخ بنفسي ، فسخر هذا الأخير من قلة تهذيبي لأني لم اشأ مقاسمته سريري لبضع ليال ، وهو شيخ قبيلة طيّ في حين أنني لست سوى مشرك ، وتحت حمايته ، أما بالنسبة لخادمي فيمكنه الاستغناء برأيه عن السرير . عندها ، أبرزت فرمان السلطان الذي احمله ، وأمر باشا بغداد ، علّه يظهر بعض الاحترام لأوامر أسياده ، مما زاد الأمور سوءا وقال لي انه سلطاني وسيدي في الصحراء ، وأن اوراقي لا تلزمه مطلقا ، فاضطررت إلى العودة كما جئت ، وتناقشت مع كبار التجار حول الفرق في طريقة معاملة الغرباء بين أوروبا وبلادهم . وحين وصل جند والي ماردين الذي يدفع له شيخ طيّ ضريبة معينة ، استعلمت من الضابط الرئيس إذا ما كان الوالي في محيط نصيبين كما يتردد ويبدو ان حديثي هذا سمح بإعادة كافة اغراضي بعد رحيل الشيخ ، وما كنت لأحصل على الغطاء الذي احضرته معي من الهند من دون ذلك ، لأنه أعجب الشيخ .
وبما اننا سنتوقف مطولا في نصيبين بسبب رسوم المرور والضرائب ، قررت زيارة والي ماردين ، الذي ضرب خيامه على بعد ميل ونصف من المدينة الأولى . وفي حين ان الأعيان في أوروبا يمضون الصيف في منازلهم الريفية ، يحلو للشرقيين الإقامة تحت الخيام ، وقد رافق الوالي أعيان المنطقة وفرق الخيالة كلها لكثرة الكلأ في المنطقة . لكنه لم ينصب خيامه بعيدا عن مدينته طلبا للمتعة وحسب برأيي ، بل لقبض الجزية من العرب والأكراد واليزيديين الذين يتجولون في هذه المناطق ، وليبقى قريبا إن هم تخلّفوا عن الدفع . واستقبلت أحسن استقبال في المخيم ، وكان
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 296
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٩٦