الثلاثة الأخيرة . غير اننا شاهدنا في هذه الصحراء ، هضابا من التراب والصلصال على ارتفاع 33 57 من القطب ، في بقعة كانت تقع فيها قديما مدينة قرفة ، التي لن يتبق منها الا أسوار صرح عال بناه خليفة ، اتخذه مع سماره مقرا له ؛ ومما لا شك فيه ان طريق قرية دربلا ، تضم انقاضا مثيرة للاهتمام ؛ فلسنوات خلت عثر في خان مصبح ، على قبة كبيرة ، وأضرحة حجرية ، تعود إلى زمن الأشوريين أو الفرس القدامى .
منذ اليوم الأول ، لاحظت جبن صحابي ؛ فقد تعارك عدد من البغالين المسلمين ، وأثاروا ضجة كبيرة ، فاضطرب اليهود من جراء ذلك ، رغم ان عددهم يبلغ أربعة أضعاف عدد المسلمين ، وخشوا ان يصبّ هؤلاء الآخرون جام غضبهم عليهم ويسلبوهم مالهم . فتوسل إلي أحدهم ان اعيره مسدسي ، وسألته ان كان يتجرأ على اطلاق النار فأجابني انه يريد وضعه على خصره ، دون تلقيمه ، كي يخيف من يحاول نهبه فأخرجت مسدساتي لأفرغها من الرصاص ، وتجمع حولي اليهود ، متوسلين إلي ان لا أثير سخط البغالين ، وان لا اطلق النار وألفت انتباه اللصوص الينا . وتدل هذه القصة على مدى خوف اليهود من المسلمين ، مما يعني انهم لن يحاولوا قط حمل السلاح واعلان الحرب على الأتراك وغزو ارض الميعاد ، مهما ازداد عدد رجالهم . فقد حسبوا في تلك الساعة ، ان الخطر يحدق بهم رغم ان الوضع لا يدعو للخوف . وبعد ان تعارك البغالون ، عادوا وتصالحوا ، وتابعنا رحلتنا بسلام .
تقع قرية بانكشا على ارتفاع 34 ، 52 من القطب وكانت في هذا الفصل شبه خالية من السكان ، لأن معظمهم انتقل إلى الخيم ليرعوا ماشيتهم وخاصة النعاج .
قرب دوس حارموت ، على مقربة من بانكشار ، مناجم ملح وزفت معدني ونفط .
تكثر مناجم الزفت المعدني في هذه المنطقة ، وهو يستعمل في ( هيت ) لطلي السفن من الخارج . أما النفط فهو نادر الوجود ؛ ويستبدله السكان بالزبل وزيت الحيتان لإشعال قناديلهم . غير أنه تفوح من هذه التربة الصمغية ، خاصة في الفصل الحار ، رائحة كريهة تمنع الفلاحين من استعمالها في منازلهم . أما المشاعل التي نجدها في منازل باشاوات بغداد وأعيانها ، فهي عبارة عن خرق صغيرة تبلل بالنفط وتجفف لاحقا . والجدير ذكره ان الجمال تفرك بهذا النفط ، في فصل الربيع ، عندما ينمو وبرها الجديد . ويقال إن هذه المنطقة غنية بالنفط الأبيض الذي يستعمل كدواء للانسان . فقد أكدوا لي ، ان هذا النفط يتغلغل إلى الجسم ، ان سكب على رأس الانسان ، ويخرج بعدها من الأصابع والأرجل .
في 9 اذار / مارس ، وبعد ان احتفل الهنود بالسبت قطعنا أربعة أميال ونصف من بانكشا لنصل
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 265
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٦٥