إلى قرية طوق ، التي غالبا ما تطهرها مياه النهر . نشاهد على الطريق ، مروجا وحقولا في غاية الجمال ، ويقال إن طوق كانت تعرف قديما بداكوك « * » ، وقد بقي منها اليوم بوابة كبيرة ، وجامع رحب ، مبني من الآجر المشوي . كما وان معظم المنازل مبنية من الطين والصلصال . نشاهد ، على مقربة من القرية ، ضريح ولي مسلم ، يدعى زين العابدين ، يقال إنه يعيد كل سنة ، إلى أحد العميان بصره فلا عجب اذن ان يزور ضريحه الملايين من المسلمين ، وعلمت أن أبيه ، ايمان محمد دفن أيضا في هذه المنطقة ، وان تربة ضريحه ، تستعمل للشفاء من كافة أنواع الأمراض .
في 10 آذار / مارس ، سرنا خمسة أميال لنصل إلى كركوك ؛ وفي الطريق شاهدنا سلسلة جبال منخفضة تحمل اسم رجل يدعى الإسكندر ، مدفون فيها ، ولا أخال ابدا انه الإسكندر الكبير ( ذو القرنين ) ، كما أخبرني رفاقي في الرحلة . سمعنا في طوق روايات عديدة حول اللصوص الذين يزرعون الخوف في نفوس اليهود بغية الحصول على جزية منهم . وسألت أحد الذين قضيت الليل في منزله ، عن بندقيته وسيفه ، فأجابني ان رحالة لا يحسنون استعمالها ، قد قدموها هدية له ، يوم كان يعمل جنديا ويرافق القوافل .
تقع كركوك في واد جميل وخصب ، على ارتفاع 35 ، 29 من القطب . غير أنه لم يتبق الا بعض الآثار من المدينة نفسها ، الواقعة على سفح هضبة متعرجة ، بقيت عليها حامية للانكشاريين ، وحصن معين ، شديد القذارة . ونشاهد في هذه البقعة ثلاثة جوامع تعلوها أبراج شاهقة ، ويضم أحدها أضرحة الأنبياء ، دانيال ، وميخائيل ، وحنانيا ، واليعازر . والجدير ذكره ان اليهود لا يشكون ابدا ان هؤلاء الأنبياء قد دفنوا فعلا في هذا المكان . غير أن المسلمين لا يسمحون لهم بالدخول إلى الجامع وممارسة شعائرهم الدينية .
في كركوك انضم ، حوالي 40 كلدانيا أو نسطوريا إلى الكنيسة الرومانية ، وعندما علموا ان أوروبيا وصل إلى البلدة ، جاؤوا لزيارتي ، معربين عن فرحهم بمقابلة رجل من ارض القديس بطرس ، وطلبوا مني بإلحاح ان أمضي معهم بضعة أيام . وكم تذمروا من تصلب رأي مسيحيي الشرق ، ورفضهم تصحيح أخطائهم السابقة والاعتراف بالبابا كحبر أعظم فنصحت هؤلاء الناس الطيبين بالتحلي بالصبر ، دون ان ألفت انتباهم إلا انني لا أشاركهم الرأي . بصورة عامة ، لاحظت ان مسحيي الشرق ، يتبادلون الاحترام ، ولا يطيقون الكاثوليك الرومان . أما المسيحيون الذين ارتدوا إلى الدين على يد الكهنة الأوروبيين فهم أعداء المسيحيين المحافظين اللدودين .
هامش
( * ) أظن انها كانت تحمل اسم داكوكا ، استنادا للترجمة الألمانية لتاريخ العالم المعاصر ، لسملر ، الجزء الثاني .
ص 78 . ولاحظت ان الأسماء التي نقرأها على خارطة بيان الرحلة ، في اللوحتينXLIوXLV، ومنها أبو الفراش ، الوباد ، حديدين . هي أسماء القبائل العربية والكردية التي تجوب هذه المناطق .