تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وبعيد وصولنا إلى المخا أصبت بإسهال حاد لم أشف منه إلا بعد مضي خمسة عشر يوما ؛ أما توعك السيد دوهافن الذي ظهرت بوادره في بيت الفقيه فازداد سوءا في المخا ؛ فكان يشعر بالارتياح عند حلول المساء خاصة إن ذهب في نزهة في الطراوة ؛ غير أنه لم يكن قادرا على احتمال حرّ النهار . وفي 22 و 23 أيار / مايو نام على سطح المنزل في الهواء الطلق حتى يستمتع بالهواء العليل . إنه ورغم هبوب رياح قوية في اليوم التالي جازف في 24 و 25 منه بالنوم على السطح فأصيب بالبرد ولم يعد يقوى على النزول وحده إلى المنزل . وراحت صحته تتدهور حتى أن نبضه بدأ يخف تدريجيا ؛ كما وأنه طلب كتابة وصيته . ولكننا لم نفقد الأمل في شفائه ؛ وعند الساعة الثامنة مساء راح يهذي بكلمات لا معنى لها تارة بالعربية وطورا بالفرنسية ومرة بالإيطالية وأخرى بالألمانية ؛ غير أنه ما لبث أن استرسل في سبات عميق ليلفظ أنفاسه الأخيرة عند الساعة العاشرة ففقد العلم بالتالي واحدا من كبار رجال الأدب الشرقي . إن سكان البلاد لا يضعون شاهدة على قبور موتاهم ؛ غير أننا صنعنا واحدة وأرسل لنا الربان في 26 أيار / مايو ستة بحارة كاثوليكيين لدفنه خارج المدينة في مقابر الفرنسيين . فسار إنكليز المخا كلهم خلف النعش وحضروا الجنازة التي جرت على الطريقة الأوروبية على خلاف جنازة السيد فيرو قنصل البندقية التي جرت في القاهرة في 4 نيسان / أبريل 1763 ، إذ عند خروج النعش من المنزل عبر الحمّالون الشارع بسرعة حتى لا يتجمع الرعاع حولهم فتفرق الأوروبيون الذين كانوا يتبعونهم - في القاهرة - وتجمعوا لاحقا خارج البلدة قرب الضريح ؛ ولما كنا نخشى أن يسرق بدو مصر الجثة ألبسنا الفقيد ثوب ناسك حقير لا ينتفع منه العرب بشيء . أما في المخا فيدفن الناس أمواتهم دون أن يخشوا تعرضهم للسلب أو للنهب من قبل الرعاع . وبعد موت السيد دوهافن ارتأينا مغادرة المخا والتوغل أكثر في البلاد ؛ ورغم أن بعض أفراد المجموعة كانوا يفضلون قضاء سنة أخرى في اليمن لزيارة قرى المنطقة الجبلية كلها ارتأى البعض الآخر العودة سريعا إلى أوروبا . علما أننا واجهنا مشاكل جمّة في المخا . لم نكن نعلم كيف سيستقبلنا السكان داخل البلاد خاصة بعد عودة الإنكليز إلى بلاد الهند . ولما كنا قد زرنا الجزء الأكبر من اليمن ولم يتبق لنا من مناطق نفوذ الإمام إلا الطريق المؤدية من المخا إلى صنعاء ؛ قررنا الذهاب إلى العاصمة في أسرع وقت ممكن علّ الإقامة فيها تروق لنا أو إن لم ترق لنا حتى نتمكن من العودة إلى المخا قبل رحيل الإنكليز . كان باستطاعتي أنا والسيد فورسكال أن نقوم بجولات خاصة ، كما فعلنا خلال إقامتنا في بيت الفقيه ؛ ولكن رفيقانا في السفر كانا يتوقان مثلنا لمشاهدة مقر إقامة الإمام . والجدير ذكره أننا لم نستطع مغادرة المكان قبل أن يعالج طبيبنا رجل صاحب الدولة ويشفيها تماما . فادعينا أننا لم نعد نحتمل الحر الشديد خاصة وأن أحد رفاقنا قد قضى بسببه ونفضل الذهاب إلى صنعاء حفاظا منا على صحتنا والبقاء