وخلال الرحلة من جدة إلى مخيّة حاول إسماعيل إقناعنا بأن الدانمركيين أيضا يجنون أموالا طائلة من ممارسة التجارة في المخا . ولكن بعد أن لاحظ عدم رغبتنا بالتورط في الأعمال التجارية حاول تضليلنا قدر المستطاع . ونلاحظ بالتالي أن المسافر يقع بسهولة في الفخ ، إن لم يحسن لغة البلاد ، أو إن وضع ثقته بأول شخص يصادفه ويعرض عليه خدماته . وهكذا لم يفلح إسماعيل بخداعنا ولكنه سبب لنا خيبة أمل كبيرة ؛ فلو أتينا إلى المخا من بلاد الهند دون أن نتعلم العربية ووضعنا ثقتنا فيه ، لما حاولنا التعرف على سكان البلاد ولما كانت دراستنا مطابقة للواقع . وعند وصولنا سلمنا رسالة التوصية الموجهة إلى سيد صالح لابنه إسماعيل ولم نقابل والده إلا في اليوم التالي الواقع فيه 24 نيسان / أبريل . ولما كان تجار مخيّة وبيت الفقيه ، الذين أوصوا بنا ، قد دفعوا لنا رسوم الجمارك ونقلوا لنا متاعنا ، طلبنا من سيد صالح وابنه أن يؤديا لنا الخدمة نفسها ؛ فأظهرا استعدادهما التام للقيام بذلك . غير أنني أخالهما يضمران لنا نية مختلفة ويسعيان لإقناع موظفي الجمارك بتعذيبنا .
وعند الساعة التاسعة صباحا ، وصلت القافلة والخدم والمتاع . وعملا بعادة هذا البلد نقل المتاع إلى الجمارك حيث كان صاحب الدولة موجودا بنفسه . فطلبنا أن تفتش أولا الأغراض التي نقلت برا حتى نأخذ أواني المطبخ والأسرّة ؛ لكن موظفي الجمارك ارتأوا تفتيش الصناديق التي وصلت إلى مخيّة والمخا بحرا ، ومن بينها برميل صغير فيه أسماك من الخليج العربي ؛ وطلب السيد فورسكال عدم فتحه حتى لا يتبخر عرق النبيذ أو تفوح رائحة السمك الكريهة ؛ غير أن الموظف فتحه وأخرج الأسماك وحرك السائل بقضيب من حديد ليتأكد من أننا لا نخفي داخل البرميل أحجارا كريمة ؛ ورغم المساعي التي بذلناها أوقع البرميل وفاحت رائحة الأسماك وعرق النبيذ في المكان ، ويمكنك أن تتخيل ردة فعل العرب في ظرف مماثل ، خاصة وأن ديانتهم تحظر عليهم شرب الكحول فضلا عن الإحراج الذي شعرنا به أمام صاحب الدولة ومساعديه . لقد طلبنا منهم أن يفتشوا أسرتنا أولا ؛ ولكنهم فضلوا البحث عن النوادر الطبيعية ؛ وكنا قد حملنا معنا من مخية حشرات بحرية تبعث أيضا روائح نتنة أثارت سخط الحاضرين وحملتهم على شتم الفرنسيين ؛ أما الأصداف التي كنا قد حزمناها بعناية فائقة فانتزعوا بعضها من قعر الصندوق بينما ثقبوا بعضها الآخر بواسطة قضيب حديدي مستدق الرأس ؛ إذ لا يصدق العرب أن رجلا عاقلا يجمع هذه الأشياء بغية استعمالها لاحقا ؛ بل خطر لهم أننا أرسلناها لنسخر من صاحب الدولة وموظفي الجمارك . وظن آخرون أننا خبأنا بين هذه الأغراض بضائع ثمينة . ولكن صاحب الدولة لم يصدق أبدا هذه الادعاءات . وأحضروا له أخيرا حقيبة وضع فيها السيد فورسكال أنواعا مختلفة من الأفاعي ؛ فأثار هذا المنظر خوف الجميع . فزعم أحد خدام صاحب الدولة أن الفرنسيين أتوا إلى اليمن ليدسوا السم للمسلمين وأحضروا معهم طبيبا كي ينفذوا هذه المهمة بنجاح . وكان صاحب الدولة يظهر تعاطفه نحونا دون أن يكنّ لنا الاحتقار ؛ لكن عندما سمعهم يقولون إننا ننوي إلحاق الضرر بالسكان ثار غضبا وقال : أقسم بالله أن هؤلاء الأشخاص لن يمضوا الليلة في بلدتنا وأقفلوا مركز الجمارك دون إعطائنا حاجاتنا الأساسية من أوان مطبخية وأسرة .
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 297
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٩٧