ثم جاءنا أحد الخدم مسرعا لإخبارنا أنهم رموا الكتب والحقائب التي نقلناها على ظهر الحمير من النوافذ ؛ وأنهم أقفلوا المنزل ؛ ولما أراد السيدان فورسكال ودوهافن الاستعلام عن السبب أجابوهما إنها أوامر إسماعيل . ومما لا شك فيه أن وصف إسماعيل لسكان المخا قد ثبتت صحته حتى الآن . ولكننا اضطررنا للاستماع إلى كلامهم بصبر وأناة . كان إسماعيل ووالده قد اختفيا عن الأنظار ما أن بدأ موظفو الجمارك بإزعاجنا . ولم نستطع العثور عليهما أو على صاحب المنزل ؛ فرحنا نبحث عن منزل آخر علما أن الجميع رفضوا إيواءنا في هذه الظروف خوفا من أن يعاقبوا . وفي نهاية المطاف قبل أحدهم أن يؤجرنا منزله شرط أن يؤكد له القاضي أن الحكومة لن تتعرض له . كان قضاة تركيا يهتمون بحبهم الشديد لمصلحتهم الخاصة على خلاف قضاة اليمن بمن فيهم قاضي المخا الذي أثبت لنا استقامته .
وقصدناه برفقة النبيل ليؤكد له أنه يستطيع أن يؤجرنا منزله .
ولقد أرسلت حكومة بومباي في تلك السنة سفينتين إلى المخا مع تاجر يدعى فرانسوا سكوت وهو اسكوتلندي الأصل . وصل هذا الأخير ، إلى المدينة على متن السفينة الأولى منذ بضعة أشهر . فأعلم بوصولنا وبحجز أغراضنا في مركز الجمارك . ورغم أننا لم نحاول الاتصال به ، دعانا إلى العشاء ؛ وأعد لنا طاولة مليئة بالأطايب التي لم نذق مثلها منذ مغادرتنا القاهرة ؛ وأثبت لنا أنه صديق مخلص ووفي .
فسلمناه عندها رسائلنا إلى سمساره واكتشفنا متأخرين أننا أخطأنا بعدم الاتصال به أو بالسيد سكوت فور وصولنا . ورغم أننا استرجعنا شجاعتنا إلا أننا لم نحاول إبداء رأينا الحقيقي في إسماعيل ووالده مخافة أن يثيرا لنا مشاكل جديدة .
ولم نستطع حلّ المشكلة مع الجمارك وفي 25 نيسان / أبريل ؛ نصحنا إسماعيل بأن نعرض على صاحب الدولة 50 دوقية بغية كسب رضاه . وكنا قد ارتأينا أن نقدم له هدية . ولكن ليس بهذا الحجم ؛ كما وأن الشكوك ساورتنا في مسألة إرسالها مع إسماعيل ؛ ولما كنا ننوي الذهاب إلى صنعاء وقضاء سنة بكاملها في البلاد . ولما كان أمر مغادرتنا المخا مرهون بموافقة صاحب الدولة ، قررنا أن نضحي بهذا المبلغ ، وأن نسلمه له بأنفسنا حتى نستغل الفرصة ونحاول أن ننال حظوة لديه . وكان خدمه يمنعوننا من مقابلته كلما قصدنا منزله ؛ وأكد لنا إسماعيل أن صاحب الدولة لا يتنازل ويتحدث مع المسيحيين ؛ وفي 26 نيسان / أبريل قررت المجموعة أن أسلمه ال 50 دوقية بنفسي . علمت في الطريق أنه أصيب عند الصباح برصاصة في رجله بينما كان يدرب جنوده ؛ فعدت أدراجي عند سماعي هذا الخبر آملا أن يستدعي طبيبنا لمعالجته ونحتفظ بالتالي بالمال . ولكن أحدا لم يستدع السيد كرامر ؛ فحين اقترحوا على صاحب الدولة استدعاءه رفض رفضا قاطعا لأنه لا يثق بالفرنسيين الذين قد ينتقمون منه ويستعملون عقاقير مسخنة ؛ فالعرب يميزون بين العقاقير المسخنة والعقاقير المنعشة ويعتبرون الأولى مضرة بالصحة . ولعل العبارة وحدها تثير خوفهم نظرا لشدة الحر في بلادهم . استغل نبيل من نبلاء العرب هذه المناسبة ليقول لنا
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 298
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٩٨