الذكر : مثلك وقاك اللّه المحادير في وفور الدين وصحة اليقين وسلامة الضمير وعدم النظير وقوة الرجحان ومعرفة الزمان أعطى الحوادث صبرا ، وردّها على أعقابها صغرا فلم يخضع لصولتها ولم يحفل بسورتها ودرى أنها الأيام والغير والحمام والقدر ، ودارت الخطوب عصمك اللّه من المامها وحماك من اخترامها بمصرع الفقيه القاضي أبى أحمد عفا اللّه عنه ومهلكه وانحطاطه من فلكه ، فانقضّت لعمري نجوم المجد بانقضاضه وبكت سماء الفضل على تداعيه وانفضاضه ، فإنه كان من جمال المذاهب والغوث عند النوائب بحيث يكون الغيث في قيظ المحل والحلب عند انقطاع الرّسل « 1 » بعيدا عن القسوة صفوحا عن الهفوة عطوفا على الجيران عزيزا على الاخوان يستهوى القلوب ببشره ويتملك الأحرار ببرّه . وان الدنيا بعده لفى حداد لّما أقصدته يد « 2 » زناد قائما بأعبائها مبيرا لأعدائها ، فهي تبكيه بأربعة سجام وتندبه في كل مقام ، ويا أسرع ما سلبته المنون وقد قرتّ به منكم العيون ، وطوّقكم طوق الفخار وأناف بقدركم على الاقدار ، فاناللّه وإنا اليه راجعون على أليم المصاب وعند اللّه نحتسبه كريم الأصل والنصاب وطودا منيعا ومرمى رفيعا وقد تساوينا في الرزية فلنعدل إلى التسلية فذلك أوفر ذخرا وأعظم أجرا .
قال أبو الحسن : وأبو عبد الرحمن أكثر احسانا وأوضح خبرا وعيانا من أن يحاط باخباره أو يعبر عن جلالة مقداره ، وقد استوفيت معظم كلامه في كتاب مفرد ترجمته بسلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر ، وهو اليوم ببلنسية سالم ينطق وحى يرزق وقد نيف « 3 » عن الثمانين وما أحوجه سمعه إلى ترجمان بل هو حتى الآن يهب للطروس من ألفاظه ما يفضح العقود الدرية وتعسعس « 4 » معه الليالي البدرية وفيما أوردنا كفاية من الذي يمكنه النهاية .
هامش
( 1 ) الرسل بكسر فسكون : اللبن
( 2 ) لم يظهر لنا وجه هذه الجملة
( 3 ) المعروف في اللغة « نيف على الثمانين » لا « عن الثمانين »
( 4 ) عسعس الليل أقبل وأدبر من الاضداد . أنشدني السيد جواد العاملي الذي كان قاضى الشيعة في بعلبك في أيام الدولة العثمانية منذ أربعين سنة ثلاثة أبيات في آل البيت حفظتها من دور واحد لسهولتها :