تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
عذابه كتبها اللّه له في صحيفة حسناته ومحابها سالف سيئاته ، وكفانا بعد أليم نقماته ويسّرنا إلى ما يزلف إلى مرضاته . وهمّ يومئذ الطاغية لعنه اللّه بتحريق زوجته وبناته فكلمه فيهن بعض طغاته فبعد لأي ما لفته عن رأيه وتخلصن من يدي نكدائه وأضرم هذا المصاب الجليل أقطار الجزيرة يومئذ نارا ، وجلّل سائر طبقاتها حزنا وعارا وغلظ أمر ذلك الطاغية حتى فدح التهائم والنجود وأخاف القريب والبعيد . حدثني من سمعه يقول وقد قوى طمعه ولج به جشعه : على رذريق فتحت هذه الجزيرة ورذريق يستنقذها . كلمة ملأت الصدور وخيّلت وقوع المخوف والمحذور ، وكان هذا البائقة وقته في درب « 1 » شهامته واجتماع حزامته وتناهى صرامته آية من آيات ربه إلى أن رماه سريعا بحتفه وأماته ببلنسية حتف أنفه . وكان لعنه اللّه منصور العلم مظفرا
هامش
وأنهم لا يكتفون بالقتل المجرد بل يحرقون عدوهم بالنار زيادة في عذابه . وهذا القمبيذور عليه ما استحق من العذاب كان يحرق بالنار وما اكتفى بحرق القاضي ابن جحاف في ساحة بلنسية بل حرق سواه ممن لا نعلم أسماءهم وممن حفظت أسماؤهم لشهرتها منهم ابن البتّى الشاعر الذي ستأتي ترجمته . وكذلك ديوان التفتيش كان إذا اطلع على أن أحد المسلمين أو اليهود المتنصرين لا يزال على دينه في الباطن يبادر إلى حرقه بالنار . وكان الناس الذين يقرأون هذه الأخبار يرتابون في صحتها أو يذهبون إلى أنها كانت من قبيل النادر ، والحقيقة هي خلاف ذلك فقد حرقوا بالنار ألوفا ولم يجدوا في ذلك حرجا في صدورهم ومن تأمل اليوم في الحرب الأهلية الإسبانية وما يفعله كل فريق من الفريقين المتقاتلين بعدوه من التقتيل والتعذيب أيقن بأن تلك الوقائع الماضية لم يكن فيها مبالغة إلّا قليلا جدا ، فهذه الأمة الاسبانيولية على ما فيها من شمم وأنفة وكرم وأنسة وخلال خير كثيرة إذا غضبت أبعدت في النكاية ولم نتنكّب الذهاب بالقسوة إلى النهاية ( 1 ) في هذا الكتاب تحريف كثير من النسّاخ ولعل أصل هذه الجملة « في دروب شهامته » أو « في ضروب شهامته » أو في « ذرب شهامته » والذرب الحدة