مصر وحضرت أيضا مولد المرسى في ذلك الثغر فاجتمع فيه ألوف وعشرات ألوف من الأهالي وأنشدني المرحوم السيد عبد القادر الغريانى من أغيان الإسكندرية أبياتا للسيد القصبي حفظت منها من أول دور
توجّه في الخطوب بحسن نيّه * وزر أبطال ثغر سكندريّه
ثم يقول
أبا العباس أن سفين حظى * تكاد تطيح في لجج المنيّه
وأنت السيد المرسى فهلّا * رخاء أنت ترسيها هنيّه
وهذا مما يدلك على عظيم اعتقاد أهل القطر المصري في السيد المرسى المشار اليه رضى اللّه عنه ولكن قول السيد القصبي رحمه اللّه ان أبا العباس هو المرسى لسفن الحياة لا يصح إلّا بتأويل أنه بجاهه لدى اللّه تعالى وتوسله اليه يمكنه أن ينجى تلك السفن من الغرق ولكن برغم هذا التأويل الذي لا يوجد غيره عند أهل السنة لتأويل الاستغاثة بالأولياء نجد الفرقة التي يقال لها السلفية الآخذين بأقوال ابن تيمية وابن قيّم الجوزيّة وابن عبد الوهاب يكفّرون كل من يقول هذا القول أو ما يشبهه كائنا من كان ويقولون إن الاستغاثة لا تجوز إلّا بالبارى تعالى رأسا وكل تأويل في أمرها غير نافع .
ونعود إلى ترجمة أبى العباس المرسى رحمه اللّه . جاء في نفح الطيب أنه كان يكرم الناس على نحو رتبهم عند اللّه تعالى حتى أنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحتفل به وربما دخل عليه عاص فأكرمه لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثّر بعمله ناظر لفعله وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذلّ مخالفته . وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهارة ويثقل عليه شهود من كان على هذه الصفة . وذكر عنده يوما شخص بأنه صاحب علم وصلاح إلّا أنه كثير الوسوسة فقال : وأين العلم ؟ العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود . وله كلام بديع في تفسير القرآن العزيز فمن ذلك قوله :
قال اللّه سبحانه وتعالى
( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
علم اللّه عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه بنفسه في أزله فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده فقال :
( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ )