تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
المعتضد أبو عمرو عبّاد رحمه اللّه تعالى لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم ولا عطّل سيفه من قبض روح وسفك دم ، حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رؤوسا ، ولا تنبت إلا رئيسا ومرؤسا ، فكان نظره اليه أشهى مقترحاته وفي التلفّت إليها استعمل جلّ بكره وروحاته ، فأبكى وأرّق ، وشتّت وفرّق ، ولقد حكى عنه من أوصاف التجبّر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع ولا يتعرّض له بتصريح ولا الماع . ا ه . ومن هنا يعلم أن ابن اللبّانة لم يكن ممن تعميه العلائق عن الحقائق فان المعتضد بن عبّاد كان مشهورا بالقسوة وكان يروى عنه في ذلك نوادر تشمئز النفوس من مطالعتها مثل أنه كان يجعل رؤوس الأعداء الذين ظفر بهم فقطع رؤوسهم في معرض خاص يتلذذ بالاختلاف اليه من وقت إلى آخر ويأخذ كل رأس بيده يقلبه بين أنامله تشفّيا وتبريدا لإحنته التي لم تزل في صدره لم يخففها كون ذلك العدو قد ذهب وكانت منيته على يده ، بل هو يريد أن يديم تذكار ذلك الظفر بمشاهدة تلك الرؤوس المقطوعة بين يديه ويتلذذ بحصول تلك الجماجم لديه ، وهذه هي القسوة الوحشية التي جعلت مثل ابن اللبانة مع اجتماعه بآل عبّاد في النسب اللخمي ومع تقلبه في نعم المعتمد التي أنطقته بتلك المدائح السائرة والأوابد التي لا تزول من الذاكرة ، يشير إليها مع الاستنكار والاقشعرار . ولنعدالى ما قال الشاعر المذكور في آل عبّاد . فمن ذلك أنه كان للمعتمد ولد رشحه للملك من بعده ولقبه بالمؤيد بنصر اللّه فعاقته الفتنة عن مراده وخلع ونفى إلى اغمات في المغرب الأقصى كما سيأتي الخبر عن ذلك في محله فجاء محمد بن اللبّانة إلى أغمات يفتقد ممدوحه القديم فرأى ولده فخر الدولة هذا يشتغل في دكان صائغ بعد أن كان يحل من المجد أبراجا ويطلع في هالة الملك هلالا وهّاجا ، لا تسعه القصور الشامخة ، والصروح الممرّدة فأذكره ذلك من مجد هذا الشاب السالف ما أنطقه بهذه القصيدة الفريدة :
أذكى القلوب أسى أبكى العيون دما * خطب وجدناك فيه يشبه العدما أفراد عقد المنا منا قد انتثرت * وعقد عروتنا الوثقى قد انفصما شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت * والرزء يعظم فيمن قدره عظما طوّقت من نائبات الدهر مخنقة * ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما