وأشار إلى عبد اللّه السائح - لانى سقته من موضعه وعاهدته أن لا أفارقه فدونكم فان ساعدنى فانا ناهض معكم : فكلموه فقال : أنا لا أمنعه لكني أقيم هنا . فقال الحافظ أبو بكر : وأنا لا أفارقه . فتضرعوا إلى عبد اللّه فقال لهم : أنا هنا أعيش في الحلال وآكل المباح ولا أجد هذا عندكم . فقال له القاضي : ان صاحب صقلية دمره اللّه يؤدى جزية في كل عام لأهل الإسكندرية ثلاثمائة قفيز من الشعير وكذا وكذا فخذ الشعير تتقوت به وتصرفه في منافعك . فقال : أنا لا أحتاج إلى أكثر من رغيف في كل ليلة . فضمنوا له ذلك . وأقبلا معهم إلى الإسكندرية ووفوا لأبي محمد السائح بما قالوه ووضعوا له من الشعير عدة أرغفة ووضعوها له في حبل فكان يفطر كل ليلة منها على رغيف ويلزم بيته لا يبرح منه . واشتمل أهل الإسكندرية على الحافظ أبى بكر وقعد للتدريس ونفع اللّه به كل من قرأ عليه وانتشر علمه . وكانت بالإسكندرية امرأة متعبدة هي خالة أبى الطاهر بن عوف فخطبته وتزوجها وبنى بها في المدرسة وكان لها ابن من أهل الدنيا كثير التخليط فصعب ذلك عليه وعمد إلى خنجر واستتر في المدرسة فلما ابهارّ « 1 » الليل قصد البيت الذي كانت فيه أمه مع الفقيه فلم يجد فيه أحدا ووجد كل واحد منهما قد قام إلى ورده وسمع صوت الفقيه يقرأ في الصلاة فأمّ الصوت وخنجره في يده فلما قرب منه وهو عازم على قتله حالت بينه وبينه سارية من سواري المدرسة وضرب فيها بوجهه وخرّ مغشيا عليه والفقيه لا يشعر فلما طلع الفجر نزل إلى المدرسة فصلى الصبح ودرس وتصرفت زوجه في أثناء ذلك فوجدت ابنها مجدلا لا يعقل فكلمته فلم يكلمها . فلما فرغ الفقيه من التدريس صعد إلى منزله فأعلمته زوجه بمكان ابنها فصعد نحوه فوجده على تلك الحال فجرّ يده على وجهه وتفل وتكلم بكلمات ففتح عينيه فلما أبصر الفقيه قال له : هات يدك فانا تائب إلى اللّه تعالى واللّه لا عصيته بعد اليوم أبدا ولا تركتك في هذا الموضع انتقل إلى دار أهلك فاسكنها ففعل وحسنت توبة الابن بعد ذلك . أخبرني شيخى أبو المفضّل عبد المجيد بن دليل قال :
هامش
( 1 ) ابهارّ الليل بالتشديد طال ومنه حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم انه سار ليلة حتى ابهارّ الليل . وقال الأصمعي : ابهارّ الليل حتى انتصف وهو مأخوذ من بهره الشئ وهو وسطه