عن الحافظ أبى بكر بن العربي قال : سمعت الحافظ أبا بكر الطرطوشى يقول : لم أرحل من الأندلس حتى تفقّهت ولزمت الباجي مدة فلما وصلت إلى بغداد دخلت المدرسة العادلية فسمعت المدرّس بها يقول : مسئلة إذا تعارض أصل وظاهر فبأيهما يحكم ؟ فما علمت ما يقول ولا دريت إلى ما يشير حتى فتح اللّه وبلغ بي ما بلغ
أقام في رحلته مدة ثم انصرف يريد مصر وكان له غرض في الاجتماع مع أبي حامد الغزالي فجعل طريقه على البيت المقدس فلما تحقق أبو حامد أنه يؤمّه حاد عنه ووصل الحافظ أبو بكر فلم يجده . فقصد جبل لبنان وأقام هناك مدة وصحب به رجلا يعرف بعبد اللّه السائح من أولياء اللّه المنقطعين إلى اللّه تعالى . ثم أراد الحافظ أبو بكر أن يقصد أرض مصر نعرض على أبى محمد عبد اللّه السائح صحبته والمشي معه وقال له :
أنت ههنا بمعزل لا تلقى أحدا ولا يلقاك أحد وإن مت لم تجد من يواريك وفي مخالطة الناس ومقابلتهم ونشر العلم وحضور الجماعة في الجمعة مالا يخفى عليك فقال له عبد اللّه أنا ههنا آكل الحلال وأعيش في المباح من ثمر هذه الأشجار ولا أجد في غير هذا الموضع من المباح ما أجد فيه . فقال له الحافظ أبو بكر : ان تنظر مصر تنظر موضعا يعرف برشيد فيه شيئان مباحان الملح والحطب نقيم به ويكون عيشنا من هذين المباحين فقال له عبد اللّه : أنت لا يتركك الناس وأفارق موضعي وأفارقك . فعاهده أن لا يفارقه وركبا الطريق إلى مصر حتى وصلا إلى رشيد وأقاما هناك إذا احتاجا إلى قوت تحوّجا من حطب أو ملح فباعا ما يحملانه من ذلك على ظهورهما وتقوّتا بثمنه . وبقيا هناك مدة إلى أن قتل العبيدي صاحب مصر جماعة من فقهاء أهل الإسكندرية لسبب يطول شرحه ولم يبق بها من يشار اليه وسمع أهل الإسكندرية بكون الفقيه برشيد فركب اليه قاضيها ابن حديدة وجماعة من أهلها فلما وصلوا إلى رشيد سألوا عنه فلم يجدوا من يعرفه الابعض الفقراء هناك قال لهم : أنا أدلكم عليه اقعدوا هنا فكأن به قد وصل فقعدوا ساعة ووصل الفقيه من الشعراء وعلى ظهره حزمة حطب وصاحبه معه فقال لهم هذا هو ووضع الحزمة بالأرض . فأخبروه بما طرأ عليهم في الإسكندرية وباحتياج أهلها اليه وبماله في قصدهم من الاجر فقال لهم : قد علمت ذلك ولكني لا أفارق صاحبي هذا بوجه -
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 17
مساهمون: شكيب أرسلان
ص١٧