تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة الأنفس وشعار سكان الأندلس — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨

[ الأسلوب المطلوب في التحريض ]

ومما ينبغي للمحرّض أن يستعمله في ذلك الكلام الفصيح القريب من فهم عامّة زمانه وأهل مكانه ، ويستطيبه الجمهور مع موافقة الألفاظ الشرعية التي ترغّب في الآخرة وتزهّد في الدنيا ، وتقوّي القلوب وتشدّ النفوس ، وتنبّه على قوّة اليقين ، وتحضّ على الدرجة العليا ، وتبيّن فضل الشهادة ، وتوقظ الهمم ، وتغرس الشجاعة في القلب ، وتثمر الأنفة من العار ، وتعلّم الحياء من الله تعالى ، وتعلّم أنه حاضر لا يغيب ، وشاهد لا يغفل ، ورقيب على كل نفس ، وناظر لكلّ فعل / [ م 33 ] وربما استعمل البليغ في تضاعيف كلامه نظر الجليل سبحانه إلى الفئتين واطلاعه على الفريقين ، ومباهاته الملائكة بأهل الثبات والصبر ، وجوده على الصابرين بالنصر ، ويذكر ما في الفرار من المقت العاجل والآجل وما في الثبات من العزّ الثابت غير الزائل ، وحنو البهائم على أولادها ، والطير على أفراخها ، وأنّ الذبّ عن الأطفال / [ س 65 ] والعيال من أفعال كرام الرّجال ، وأنّ المسلم ألوف عطوف حامي الذمار كريم الجوار ، وأنّ أهل الدين الواحد كالجسد الواحد ، والحرّ لا يسلّم أولياءه كما لا يفارق أعضاءه ، وكذلك يعظّم الإسلام وأهله ، ويقبّح فرع الكفر وأصله ، ويذكر عزّة المسلم عند الحفيظة والحقيقة ، وذلّة الكافر إذا تخلّل فريقه ، قال الله تعالى
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
« 1 »
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 2 » وقال سبحانه :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
« 3 » ومن الشعر اللائق بذلك قول الجحّاف بن حكيم « 4 » :
هامش
( 1 ) سورة المائدة 5 : 54 . ( 2 ) سورة الفتح 48 : 29 . ( 3 ) سورة المائدة 5 : 54 . ( 4 ) الجحّاف بن حكيم ت نحو 90 ه - 709 م : الجحّاف بن حكيم السّلميّ ، فاتك ، ثائر ، شاعر ، كان معاصرا لعبد الملك بن مروان ، وغزا تغلب بقومه فقتل منهم كثيرين ، فاستجاروا بعبد الملك فأهدر دم الجحاف ، فهرب إلى الروم فأقام سبع سنين . ومات عبد الملك فأمنه الوليد فرجع . عن الأعلام 2 : 113 .