من أمر اللّه ، وذلك بالأكل من الشجرة ، واحتج لآدم بحجج . فلما أكل لم يعذره اللّه بتلك الحجج ، بل أهبطه إلى الأرض ، وأجلاه من وطنه ، ثم قال :
اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
يقول تعالى : لأجلينّكم عن وطنكم ، فإن بعد هذا الكلام وهو أنى أرسل إليكم هدى من عندي لا أكلكم إلى رأيكم ولا رأى علمائكم ، بل أنزل عليكم العلم الواضح الذي يبيّن الحق من الباطل ، والصحيح من الفاسد ، والنافع من الضارّ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
.
ومعلوم أن الهدى هو هذا القرآن . فمن زعم أن القرآن لا يقدر على الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد فقد كذّب اللّه بخبره أنه هدى ، فإنه على هذا القول الباطل لا يكون هدى إلا في حق الواحد من الآلاف المؤلفة وأما أكثر الناس فليس هدى في حقهم ، بل الهدى في حقهم أن كل فرقة تتبع ما وجدت عليه الآباء . فما أبطل هذا من قول ! وكيف يصحّ لمن يدّعى الإسلام أن يظن باللّه وكتابه هذا الظن ؟
ولما عرف سبحانه أن هذه الأمة سيجرى عليها ما جرى على من قبلها من اختلافهم على أكثر من سبعين فرقة ، وأن الفرق كلها تترك هدى اللّه إلا فرقة واحدة ، وأن كل الفرق يقرّون أن كتاب اللّه هو الحق لكن يعتذرون بالعجز ، وأنهم لو يتعلمون كتاب اللّه ويعملون به لم يفهموا لغموضه قال :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
وهذا تكذيب هؤلاء الذين ظنوا في القرآن ظن السوء . قال ابن عباس : تكفّل اللّه لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .
وبيان هذا أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم لو تركوا طريقة الآباء ، واقتصروا على الوحي ، لم يهتدوا بسبب أنهم لا يفهمون » كما قالوا : قلوبنا غلف ، فردّ