المسألة الثامنة عشرة : عن قوله تعالى : [ « رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً »
]
سئل رحمه اللّه عن قوله تعالى :
( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً )
الآية .
فأجاب رحمه اللّه :
اعلم رحمك اللّه أن اللّه سبحانه عالم بكل شئ ، يعلم ما يقع على خلقه وما يقعون فيه ، وما يرد عليه من الواردات إلى يوم القيامة . وأنزل هذا الكتاب المبارك الذي جعله تبيانا لكل شئ ، وجعله هدى لأهل القرن الثاني عشر ومن بعدهم ، كما جعله هدى لأهل القرن الأول ومن بعدهم . ومن أعظم البيان الذي فيه بيان الحجج الصحيحة ، والجواب عما يعارضها ، وبيان بطلان الحجج الفاسدة ونفيها . فلا إله إلا اللّه ماذا حرمه المعرضون عن كتاب اللّه من الهدى والعلم ! ولكن لا معطى لما منع اللّه ، وهذه التي سألت عنها فيها بطلان شبه يحتجّ بها بعض أهل النفاق والريب في زماننا هذا في قضيتنا هذه .
وبيان ذلك : أن هذه في آخر قصّة آدم وإبليس ، وفيها من العبر والفوائد العظيمة لذريتهما ما يجلّ عن الوصف ؛ فمن ذلك : أن اللّه أمر إبليس بالسجود لآدم ، ولو فعل لكان فيه طاعة لربه وشرف له ، ولكن سوّلت له نفسه أن ذلك نقص في حقه إذا خضع لواحد دونه في السن ودونه في الأصل على زعمه . فلم يطع الأمر ، واحتجّ على فضله بحجة وهي : أن اللّه خلقه من أصل خير من أصل آدم ، ولا ينبغي أن الشريف يخضع لمن دونه ، بل العكس . فعارض النص الصريح بفعل اللّه الذي هو الخلق ، فكان في هذا عبرة عظيمة لمن ردّ شيئا من أمر اللّه ورسوله واحتج بما لا يجدى . فلما فعل لم يعذره اللّه بهذا التأويل ، بل طرده ، ورفع آدم ، وأسكنه الجنة . فكان مع عدو اللّه من الحفظ والفطنة ودقة المعرفة ما يجلّ عن الوصف ، فتحيل على آدم حتى ترك شيئا