والمواريث ، وكذلك في المياه والصلاة ، ولا يميزون حقه من باطله ، ولا يعرفون مستند قائله . وأما العلم الذي بعث اللّه به محمدا صلى اللّه عليه وسلم فلم يعرفوا منه خبرا ، ولم يقفوا منه على عين ولا أثر ، فقد تزاحمت بهم الظنون
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
.
ومصداق هذا كله أن الداعي - لما أمرهم بتوحيد اللّه ونهاهم عن عبادة المخلوقين - أنكروا ذلك ، وأعظموه ، وزعموا أنه جهالة وضلالة ، مع كون هذه المسألة أبين في دين محمد صلى اللّه عليه وسلم من كون العصر أربعا والمغرب ثلاثا ؛ بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم دعا الناس إلى ذلك ودلّ عليه وقاتل عليه . فهؤلاء الذين يزعمون أنهم علماء اشتدّ إنكارهم علينا لما تكلمنا بذلك ، وزعموا أنه دين ومذهب خامس ، وأنهم لم يسمعوه من مشائخهم ومن قبلهم .
وبالجملة فهذا الحق قد خالف أهواءهم من جهات متعددة :
الأولى - أنهم لا يعرفونه مع كونهم يظنون أنهم من العلماء .
الثانية - أنه فيه مألف عادة نشأوا عليها ، ومخالفة العادات شديدة .
الثالثة - أنه مخالف لعلمهم الذي بأيديهم ، وقد أشربوا حبّه ، كما أشربت بنو إسرائيل حبّ العجل .
الرابعة - أن هذا الدين يريد أن يحول بينهم وبين مآكلهم الباطلة المحرّمة الملعونة .
إلى غير ذلك من الأمور التي يبتلى اللّه بها العباد .
فلما ظهر هذا الأمر اجتهدوا في عداوته وإطفائه بما أمكنهم ، وجاهدوا في ذلك بأيديهم وألسنتهم ، فلما غلظ الأمر وبهرهم « 1 » نور النبوة ولم يجئ على
هامش
( 1 ) في المطبوعة 1 : 185 « وبعدهم » وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة : 127